الذهبي

709

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وأما أهل الصالحية فابتلشوا ونشبوا بالقعود ، وجاءهم مقدّم ، وقعد شِحنةً لهم ، فأكلهم واستحلبهم ، وزوّجه القاضي بصبيّةٍ ولم يكن عنده دفع عنهم . وشرعت التَّتَار فِي نهب الصّالحيّة والعبث والفساد وبقوا كلّ يوم يقوى شَرّهم ، ويكثُر عَبَثهم ، وأخذوا منها شيئًا كثيرًا من القموح والغلال والقماش والذخائر ، وقلعوا الشبابيك وكسروا وأخربوا وأخذَوا بُسُطَ الجامع ، والتجأ النّاس إلى دير المقادسة ، فانحشروا فِيهِ ، فاحتاط بْه التَّتَار فِي ثامن عَشْر الشهر ودخلوه ونهبوا فِيهِ وسبوا الحريم والأطفال ، فخرج إليهم شيخ المشايخ النّظام فِي جماعةٍ من التَّتَار فأدركوهم وردّوا عن الدّير بعض الشَّيء ، وهرب التَّتَار بما حوَوا وتوجّهت فرقة إلى داريّا ، فاحتمى أهلها بالجامع ، فحاصروه وأخذوه ودخلوه ونهبوا وقتلوا وعثّروا أهل داريّا . ولم يزالوا يتدرّجون فِي نهب الخيل وسبْي أهله قليلًا قليلًا ، فرقة تذهب وفرقة تأتي ، ونبشوا أطمار القماش والأثاث وعاقبوا وعذّبوا ، وكان خاتمة أمرهم الدّير فاستباحوه ، ولم يتركوا به إلا العجائز فِي البرد والجوع والعُري ، ودخل الرجال عُراة حُفاة ، عليهم خلْقان كأنّهم الصّعاليك ، بل أضعف من الصّعاليك لمّا هُمْ فِيهِ من آلام العقوبات والجوع وشدّة البرد والسَّهَر وذهاب الأولاد والحريم ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون . وسارت فرقة إلى المزّة وكان بها أكثر أهلها قد اغترّوا وقعدوا فأوطؤوهم خوفًا ونهبًا وتبارًا . وكان الشيخ تقي الدين ابن تيميّة تلك الأيّام يتردّد إلى من يرجو نفعه إلى شيخ المشايخ والى العَلَم سُلَيْمَان وإلى قبجق . ثُمَّ إنّه خرج مع جماعة يوم العشرين من الشهر إلى قازان وهو بتل راهط ، فأُدخل عليه ولم يمكَّن من إعلام قازان بما يقع من التَّتَار ، وخافوا أنّ يغضب ويقتل أناسًا من المغل ، وأُذِن له فِي الدّعاء والإسراع ، وأشار عليه الوزير سَعْد الدِّين ورشيد الدِّين اليهوديّ مشير الدّولة بأن لا يشكو التَّتَار ونحن نتولّى إصلاح الأمر ولكن لا بُد من إرضاء المُغْل ، فإنّ منهم جماعة كبيرة لم يحصل لهم شيء إلى الآن . وعاد الشَّيْخ إلى المدينة ، ثُمَّ من الغد في اليوم الثاني والعشرين اشتهر أنه لا بد من دخول المُغْل إلى البلد والنَّهْب وظهر ذَلِكَ ، وجهّز شيخ المشايخ