الذهبي

708

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

فِي طائفة فنزلوا بالميدان ، وتكلّموا مع متولّي القلعة عَلَم الدِّين أرجَواش المَنْصُورِيّ وراسلوه فِي تسليم القلعة وأشاروا عليه بذلك ، فلم يقبل وصمَّم ، وكانت خِيرة ، ثُمَّ أمروا أعيان البلد بالمشي إليه من الغد ، فاجتمعوا به وسألوه وقالوا : هذا فِيهِ حقْنٌ لدماء المسلمين ، فلم يلتفت عليهم وقد حصّن القلعة وهيّأ جميع أمورها وسترها وطلع إليها جماعة كبيرة من البلد . ويوم الثاني عَشْر منه ، دخل السّلطان وجمهرة جيشه إلى القاهرة . وفي هذا اليوم دخل قبجق إلى البلد وجلس بالعزيزيّة ، وأمر الأعيان بمراجعة أُرْجَواش ، فكلّموه فلم يُجبهم وأهانهم ، ووقفوا كلّهم عند باب القلعة وطلبوا منه رسولًا فأبى ، فبعثوا مَن كلّمه ، فأغلظ لهم وقال : أنتم منافقون ، تلقّيتم التَّتَار وسلّمتم إليهم البلد وجسّرتموهم ، ومع هذا فهذه بطاقة صاحب مصر وأنّهم اجتمعوا على غزة ، وأنهم كسروا الطائفة التي تبعتهم . وكان المقدَّم بولاي قد ساق وراء العساكر في نحو عشرة آلاف ، فوصل إلى غزّة وخرب البلاد وسبى ونهب . ويوم الخميس ثالث عشر الشهر تحدّث الناس بصلاة قازان الجمعة فِي البلد ، فقلق النّاس ودربّوا الدروب وردموا خَلَف أبوابها الطين والحجارة . وكثُر دخول التَّتَار إلى بيوت النّاس يفتّشون على الخيل ويأخذونها ويخطفون ويُؤذون ، وبات ليلتئذٍ قبجق عند عز الدين ابن القلانسيّ ، وخطب الخطيب يوم الجمعة بالبلد ، وأقام الدّعوة للسّلطان مظفّر الدِّين محمود غازان ورفع فِي لَقَبه ، وذلك بحضرة جماعةٍ من المغول ، ثُمَّ صعد بعد الصّلاة قبجق وإسماعيل إلى السُّدّة ودعا عَبْد الغني المؤذّن وذكر ألقاب قازان ، ثُمَّ قُرئ على النّاس تولية قبجق لنيابة الشام وأنّ إليه تولية قُضاتها ونوّابها ، وبلّغ النّاس عَبْد الغنيّ ، ونثروا على النّاس الذَّهَّب والدّراهم ، وحصل فرح ما بتولية قبجق ، وتعب قبجق بالتّتار كلّ التّعب ، ولكنّه كان شاطرًا ذا دهاء ورأي وخبرة ، قد عرف سياستهم ، ونزل شيخ الشيوخ الَّذِي لقازان ولَقَبُه نظام الدِّين محمود بْن عليّ الشَّيْبَانيّ بالمدرسة العادليّة ، وأظهر العتب على الرؤساء إذ لم يتردّدوا إليه ، وزعم أنّه يصلح أمرهم ويتّفق معهم على ما يُفعل فِي أمر القلعة ، وأظهر أنّ قبجق وأمثاله من تحت أوامره .