الذهبي
707
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وأنزل علينا سكينته ، فقهرنا العدوّ الطاغية والجيوش الباغية ، فرَّقْناهم أيدي سبأ ، ومّزقناهم كلَّ مُمزّق ، حَتَّى جاء الحقّ وزهق الباطل ، فازدادت صدورنا انشراحًا للإسلام وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام ، منخرطين فِي زُمرة من حُبّب إليهم الإِيمَان ، فَوَجَب علينا رعاية تلك العهود الموثقَّة ، والنُّذور المؤكَّدة ، فصدرت مراسمنا العالية أنّ لا يتعرض أحدٌ من العساكر المذكورة على اختلاف طبقاتها بدمشق وأعمالها وسائر البلاد الشاميّة ، وأن يكفّوا أظفار التّعدّي عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم وأطفالهم ، ولا يحوموا حول حِماهم بوجهٍ من الوجوه ، حَتَّى يشتغلوا بصدورٍ مشروحة وآمال مفسوحة ، بعمارة البلاد وبما هُوَ كلّ واحد بصدده من تجارة وزراعة ، وكان في هذا الهرج العظيم وكثرة العساكر تعرِّض بعضُ نفرٍ يسيرٍ إلى بعض الرعايا وأسْرهم ، فقتلنا منهم ليعتبر الباقون ، ويقطعوا أطماعهم عن النَّهْب والأسْر ، وليعلموا أنّا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البتّة ، وأن لا يتعرّضوا لأحدٍ من أهل الأديان من اليهود والنّصارى والصّابئة ، فإنّهم إنّما يبذلون الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا ، لأنّهم من جملة الرعايا ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " الإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عَنْهُمْ " ، فسبيل القضاة والخطباء والمشايخ والعلماء والشُرفاء والأكابر وعامّة الرعايا الاستبشار بهذا النّصر الهنيّ والفتح السّنيّ ، وأخذ الحظّ الوافر من الفَرَح والسّرور ، مقبلين على الدّعاء لهذه الدّولة القاهرة والمملكة الظاهرة ، وكُتِب فِي خامس ربيع الآخر " . فَلَمّا فُرغ من قراءته نُثِر عليه ذَهَب وفضّة بالمقصورة ، ونثر الشريف زين الدِّين نحو عشرة دنانير ، وكان واقفًا مع المغول على السدة ، وضجّت العامّة ، ودعوا للملك ، وسكن جأشهم بعضَ الشيء ، وجعل نائب البلد الملك إِسْمَاعِيل وجلس بالقَيْمُريَّة ، وكان فِيه عقل وإسلام وقلّة شرّ فِي الجملة ، ثُمَّ طلبوا يوم الأحد المال والخيل من العامة . وفي عاشر ربيع الآخر قَرُب الجيش من الغوطة ، ووقع العبث والفساد وقتلوا جماعة من أهل البرّ ، ونهبوا بقايا من فِي الضّياع ، وقد قبجق وبكتمر