الذهبي

704

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وجماعة مجرّحين وصلوا إلى قارة وأن أمر المصافّ متماسك بعد ولم يدروا ما تم بعدهم ، فأخفى أرجواش نائب القلعة ذَلِكَ ، فما أمسينا حَتَّى أُشهر أنّ الميمنة انكسرت . ثُمَّ قيل إنَّ الجيش جميعه انكسر ، فبِتْنا بليلةٍ اللَّهُ بها عليم وفترت الهمم عن الدّعاء . ودقّت البشائر من الغد تطمينًا ثم تبين كذبُها . ثُمَّ أرسل أرجَواش الأنهار على خندق البلد . ثُمَّ دقّت البشائر عصر يوم الجمعة ، فلم يعبأ بها النّاس ، بل بقوا حائرين فِي هَرَج ومرج . وجاء يومئذٍ خلْقٌ من الجند والأمراء ، قد وقفت خيولهم وراحت أثقالهم وأمولهم وتمزقوا وقد رموا الجواشن . واستشهد فِي المَصَافّ جماعة إلى رحمة اللَّه . وشرع النّاس فِي الهرب إلى مصر . وبات الناس ليلة السبت في أمر عظيم ، قد أشرفوا على خطّة صعبة وبَلَغَنا أنّ التّتار قُتِل منهم خمسة آلاف وقيل عشرة آلاف . ولم يُقتَل من الجيش إلا دون المائتين . حدّثني ضوء بْن صبّاح الزَّبِيديّ قال : ما رَأَيْت أنفع من الخاصكيّة لقد رأيتهم على باب حمص يحملون على التَّتَار عند اصفرار الشمس ويُنْكُون فِي التَّتَار ، ثُمَّ يرجعون إلى السّلطان . وقال غيره : ألقى اللَّه الهزيمة فولّوا مُدبرين بعد العصر وبقيت العُدَد والأمتعة مُلقاةً قد ملأت تلك الأرض والرماح والجواشن والخُوَذ . وأما نَحْنُ ، فشرع النّاس يتحدّثون فِي أمر التَّتَار ويذكرون عَنْهُمْ خيرًا وأنّ ملكهم مُسْلِم وأن جيشه لم يتبعوا المنهزمين . وبعد تمام الوقعة لم يقتلوا أحدًا . وأنّ من وجدوه أخذوا فَرَسَه وسلاحه وأطلقوه . وكثُرت الحكايات من هذا النَّمط ، حَتَّى قال إنسان كبير : اسكت ، هَؤُلَاءِ خير من عسكرنا وانخدع النّاس . وفي يوم السبت الظّهر وقع بالبلد صرخات وصياح مزعج وخرج النّاس وتهتّكت النّساء وقيل : دخل التَّتَار . وازدحم النّاس فِي باب الفرج ، حتى مات نحو العشرة ، منهم النجم البغداديّ الَّذِي يقرأ الغزوات تحت قبّة عَائِشَة . ثُمَّ سكنت بعد لحظةٍ من غير أصل . فاجتمع أعيان البلد وتحدّثوا فِي المصلحة . وهم فخر الدين ابن الشيرجي ناظر البلد وعز الدين ابن القلانسي ووجيه الدين ابن المنجى وعز الدين ابن الزكي والشريف زين الدين ابن