الذهبي
655
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
مذهب النُّصيرية ، وكان حَسَن العشرة ، كريم الأخلاق ، لَهُ حُرمة ووجاهة . وخَدَم فِي عدّة جهات بدمشق . قلت : خدم في جهات المكس وغيرها . وسمع وحدّث بشيء من " صحيح مُسْلِم " عَنِ ابن الصّلاح والسّخاويّ وجماعة ، كتب عَنْهُ بعض الطّلبة . وكان يتُهم بالخمر والفسق والقيادة . وحاصل الأمر إنّه كَانَ من غُلاة الاتحادية القائلين بوحْدة الوجود ، وأنّ عين الموجودات هِيّ اللَّه ، تعالى اللَّه عَنْ قولهم عُلوًّا كبيرًا . وله فِي ذلك أشعار ورموز وتغزُّلات . وذكره شمس الدّين الْجَزَريّ فِي " تاريخه " وما كأنه عرف حقيقة أمره ، ونقل شيئًا مستحيلًا عَنْهُ فقال : عمل فِي الروم أربعين خلْوة ، كلّ خلوة أربعين يومًا ، يخرج من واحدة ويدخل فِي أخرى . قلت : وهذا الكلام فِيهِ مجازفة ظاهرة ، فإنّ مجموع ذَلِكَ ألف وستّمائة يوم ولا أدري عمّن نقل شمس الدّين هذا . ثمّ قَالَ : وله فِي كلّ عِلم تصنيف ، وقد شرح الأسماء الحسنى وشرح " مقامات النّفريّ " . قَالَ : وحكى بعضهم قَالَ : طلعت إلَيْهِ يوم قُبض فقلت : كيف حالك ؟ فقال : بخير ، من عرف اللَّه كيف يخاف ؟ والله مُذْ عرفته ما خفته بل رجوته وأنا فرحان بلقائه . وحكى تلميذه البرهان إبراهيم ابن الفاشوشة قَالَ : رَأَيْت أبنه فِي مكانٍ بين رَكَبْداريّة وذا يكبّس رجْليه وذا يبوسه ، فتألّمت لذلك وانقبضت ودخلت إلى الشّيْخ وأنا كذلك ، فقال : ما لَكَ ؟ فأخبرته بالحال الّذي وجدت عَلَيْهِ ابنه محمدًا ، فقال : أفرأيته فِي تِلْكَ الحال مُنقبضًا أو حزينًا ؟ قلت : سبحان اللَّه كيف يكون هذا ؟ بل كَانَ أسرّ ما يكون ، فهوَّن الشيخ علي وقال : فلا تحزن أنت إذا كَانَ هُوَ مسرورًا . فقلت : يا سيّدي فرّجت عنّي . وعرفتُ قدر الشّيْخ وسِعَتَه وفتح لي باباً كنت عنه محجوباً . قلتُ : هذا هُوَ الشيخ الّذي لا يستحي اللَّه من عذابه .