الذهبي
772
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وجاءت الأخبار بمجيء محمد شاه ، وبإنفاذه إلى عسكر الموصل يستنجد بهم ، وإلى مسعود بلال صاحب تِكْريت يستنجد بِهِ ، فأخرج الخليفة سُرادقه ، واستعرض الجيش ، فزادوا عَلَى اثني عشر ألف فارس ، فجاء الخبر بموت ألْبقش ، فضعُف محمد شاه وبطَل ، فتسحّب جماعة من أمرائه ، ولجؤوا إلى الخليفة ، وحصل الأمن . ثمّ جرّد الخليفة ألفي فارس إلى جهة همذان . وفيها حدث بنواحي واسط ظهورُ دمٍ من الأرض ، لا يُعلم له بسبب . وجاءت الأخبار أنّ السّلطان سَنْجَر تحت الأسر وتحت حكْميَّة الغُزّ ، وله اسم السّلطنة ، وراتبه في قدْر راتب سائسٍ من سيّاسه ، وأنّه يبكي على نفسه . ودخلت الغُزّ مرو وغيرها ، فقتلوا خلْقًا ، ونهبوا ، وبدّعوا . وفيها قُتل بمصر خليفتُها الظّافر بالله العُبيدي وهو شابّ ، وأقاموا الفائز صبيًّا صغيرًا ، ووَهَى أمر المصريين ، فكتب المقتفي لأمر اللَّه عهدًا لنور الدّين محمود بْن زنْكيّ ، وولّاه مصر ، وأمره بالمسير إليها ، وكان مشغولًا بحرب الفرنج ، وهو لا يفتر من الجهاد ، وما له إلا أيامًا قد تملّك دمشق في صَفَر ، وأخذها من صاحبها مجير الدّين أبق بْن محمد بْن بوري بن طُغتكين . وكانت الفرنج قد ملكوا عسقلان ، وطمعوا في دمشق ، حتّى أنّهم استعرضوا مَن بها مِن الرّقيق ، فمن أراد المُقام تركوه ، ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهرًا من مالكه ، وكان لهم عَلَى أهلها كلّ سنة قطيعة ، فتجيء رُسُلُهم ويأخذون من النّاس ، فراسل نور الدّين مالكها مجير الدّين واستماله ، وواصَلَه بالهدايا ، وأظهر لَهُ المودَّة حتّى رَكَن إِلَيْهِ ، وكان يرسل إِلَيْهِ أنّ فلانًا قد بعث إلي وكاتبني في تسلّيم دمشق فاحْذَرُه ، فكان مجير الدّين يقبض عَلَى ذلك الرجل ، أو يقطع خبره ، إلى أن قبض عَلَى نائبه عطاء بْن حَفّاظ وقتله ، وكان نور الدّين لا يتمكّن مَعَ وجود عطاء من أخْذ دمشق ، ثمّ كاتب نور الدّين مَن بدمشق من الأحداث ، فاستمالهم ، ووعدهم ، ومنّاهم ، فوعدوه بأن يسلّموا إِلَيْهِ البلد ، فلمّا وصل نور الدّين إلى دمشق بعث مجير الدّين يستنجد بالفرنج ، فتسلّم نور الدّين البلد من قبل أن يَقْدَمُوا ، وذلك أنّ نور الدّين حاصرها ، فسلّم إِلَيْهِ أهل البلد من ناحية الباب شرقي ، وحصر مجير الدّين في القلعة ، وبذل لَهُ إنْ سلّم القلعةَ بلدَ حمص ، فنزل ، فلمّا سار إلى حمص أعطاه عِوَضَها بالِس ، فغضب ولم يرضها ، وسار إلى بغداد ، فبقي بها مدَّةً ، وبنى بها دارًا فاخرة بقرب النظامية .