الذهبي

760

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

الدين استيحاشًا أوجب جمعَ من أمكنه من أحداث دمشق والْجَهَلة ، ورتّبهم حول داره ، ودار أخيه زين الدّولة حَيْدرة للاحتماء بهم ، وذلك في رجب ، فنفذ مجير الدّين يطيّب نفوسهما ، فما وُثِق ، بل جَدّا في الجمْع والاحتشاد من العوامّ والجُند ، وكسروا الحبس وأطلقوا مَن فيه ، واستنفروا جماعة من الشّواغرة وغيرهم ، وحصلوا في جمعٍ كثيرٍ امتلأت بهم الطُّرُق ، فاجتمعت الدّولة في القلعة بالعُدد ، وأخرِجت الأسلحة ، وفرَقت عَلَى الجند ، وعزموا عَلَى الزّحف إلى جمْع الأوباش ، ثمّ تمهّلوا حقنًا للدّماء ، وخوفًا من نهْب البلد ، وأَلَحُّوا عَلَى الرئيس وتلطّفوا إلى أن أجاب ، واشترط شروطًا أُجيب إلى بعضها ، بحيث يكون ملازمًا لداره ، ويكون ولده وولد أخيه في الدّيوان ، ولا يركب إلى القلعة إلا مستدعًى إليها ، ثمّ حدث بعد ذَلكَ عَوْد الحال إلى ما كانت عَلَيْهِ ، وجمع الجمْع الكثير من الأجناد والمقدَّمين ، والفلّاحين ، واتّفقوا عَلَى الزّحف إلى القلعة وحصرها ، وطلب من عيَّنَه من أعدائه ، فنشبت الحرب ، وجُرح وقُتل جماعة ، ثمّ عاد كلّ فريقٍ إلى مكانه ، ووافق ذَلكَ هروب السّلار زين الدّين إسماعيل شِحنة البلد وأخوه إلى ناحية بَعْلَبَكّ ، ولم تزل الفتنة هائجةً ، والمحاربة متّصلةً ، إلى أن أُجيب إلى إبعاد من التمس إبعادَه من خواصّ مُجير الدّين ، ونُهبت دار السّلار وأخيه ، وخلع عَلَى الرئيس وأخيه ، وحَلَف لهما مُجير الدّين ، وأعاد الرئيس إلى الوزارة ، بحيث لا يكون لَهُ في الأمر معترض ولا مُشارك . وأمّا مصر ، فمات بها الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد العُبيدي ، وأقيم بعده ابنه الظّافر إسماعيل ، ووَزَرَ لَهُ أمير الجيوش ابن مصال المغربيّ ، فأحسن السّيرة والسّياسة ، ثمّ اضطّربت الأمور واختلفت العساكر ، بحيث قُتل خلقٌ منهم . وأما أعمال دمشق كحوران ، وغيرها ، فعاثت بها الفرنج ، وأجدبت الأرض ، ونزح الفلّاحون ، فجاء نور الدّين بجيشه إلى بَعْلَبَكّ ليوقع بالفرنج ، ففتح اللَّه بنزول غيثٍ عظيم ، فعظُم الدّعاء لنور الدين ، وأحبه أهل دمشق وقالوا : هذا ببركته وحُسن سيرته ، ثمّ نزل عَلَى جسر الخشب في آخر سنة