الذهبي
761
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
أربع ، وراسل مُجير الدّين ، والرئيس يَقُولُ : إنّني ما قصدتُ بنزولي هنا طلبًا لمحاربتكم ، وإنّما دعاني كثرة شكاية أهل حَوْران والعُربان ، أخذت أموالهم وأولادهم ، ولا ينصرهم أحد فلا يَسَعني مَعَ القُدرة عَلَى نُصرتهم القعودُ عَنْهُمْ ، مَعَ علمي بعجزكم عَنْ حِفْظ أعمالكم والذّبّ عَنْهَا ، والتّقصير الّذي دعاكم إلى الاستصراخ بالإفرنج عَلَى محاربتي ، وبذلكم لهم أموالَ الضعفاء من الرَعيَّة ظُلْمًا وتَعَدِّيًا ، ولا بدّ من المعونة بألف فارس تجرَّد مَعَ مقدَّمٍ لتخليص ثغر عسقلان وغيره ، فكان الجواب : لَيْسَ بيننا وبينك إلّا السّيف ، فكثر تعجُّب نور الدّين ، وأنكر هذا ، وعزم عَلَى الزَّحْف إلى البلد ، فجاءت أمطارٌ عظيمة منعته من ذَلكَ ، ثمّ تقرَّر الصُّلْح في أوّل سنة خمسٍ وأربعين ، فإنّ نور الدّين أشفق من سفْك الدّماء ، فبذلوا لَهُ الطّاعة ، وخطبوا لَهُ بجامع دمشق بعد الخليفة والسّلطان ، وحلفوا لَهُ ، فخلع نور الدّين عَلَى مجير الدّين خِلْعةً كاملةً بالطَّوْق ، وأعاده مكرّمًا ، محتَرَمًا ، ثمّ استدعى الرئيس إلى المخيَّم ، وخلع عَلَيْهِ ، وخرج إِلَيْهِ المقدَّمون ، واختلطوا بِهِ ، وردّ إلى حلب . وجاء الخبر بأنّ الملك مسعود نزل عَلَى تل باشِر وضايقها . ثمّ قدِم حُجاج العراق وقد أُخذوا ، وحكوا مُصِيبةً ما نزل مثلُها بأحدٍ ، وكان رَكْبًا عظيمًا فيه من وجوه خراسان وتنائها وعُلمائها ، وخواتين الأمراء خلْق ، فأُخذ جميع ذَلكَ ، وقُتل الأكثر ، وسلِم الأقل ، وهُتكت الحُرم ، وهلك خلقٌ بالجوع والعطش . وأمّا مسعود ، فإنّه ترحّل عَنْ تلّ باشِر . وتوجّه مجاهد الدّين بُزان إلى حصن صرْخد ، وهو لَهُ ، لترتيب أحواله ، وعرضت لَهُ نفرةٌ من صاحب دمشق ورئيسها ، ثمّ طُلب ، واصطلحوا على شرط إبعاد الحاجب يوسف عَنْ دمشق ، فأُبعد ، فقصد بَعْلِبَكّ ، فأكرمه متولّيها عطاء . وأمّا مصر ، فالأخبار واصلة بالخُلف المستمرّ بين وزيرها ابن مصال ، وبين المظفّر ابن السّلار فتمت حروب أسفرت عن قتل ابن مصال واستيلاء ابن السّلار عَلَى الأمر ، فسكنت الفتنة ، ثمّ ثار الجُند ، وجَرَت أمور ، وقُتل جماعة ، نسأل الله العافية .