الذهبي

757

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

العسكر ، وانهزموا لهم ، ثمّ خرج عليهم كمين فهربوا ، وقُتل من العامة نحو الخمسمائة ، ثمّ جاءت الأمراء ، فرموا نفوسهم تحت التّاج وقالوا : لم يقع هذا بِعلْمنا ، وإنّما فعله أَوْباشٌ لم نأمرهم ، فلم يَقْبل عُذرهم ، فأقاموا إلى الليل وقالوا : نحن قيامٌ على رؤوسنا ، لا نبرح حتى يعفى عَنْ جُرمنا ، فجاءهم الخادم يَقُولُ : قد عفا عنكم أمير المؤمنين فأمْضوا ، ثمّ سار العسكر ، وذهب بعضهم إلى الحِلَّة ، وبعضهم طلب بلاده . ووقع الغلاء ، ومات بالجوع والعرْي أهلُ القرى ، ودخلوا بغداد يستعطون . ومات قاضي القُضاة الزّينبي ، فقُلِّد مكانه أبو الحسن علي بْن أحمد بْن علي ابن الدامغاني . وفيها الغلاء مستمر بإفريقية ، وجلا أكثر النّاس ودخل خلق إلى جزيرة صَقَلِّية ، وعظُم الوباء ، فاغتنم الملعون رُجار صاحب صَقَلّية هذه الشّدَّة ، وجاء في مائتين وخمسين مركبًا ، ونزل عَلَى المَهْديَّة ، فأرسل إلى صاحبها الحسن بْن عليّ بْن يحيى بْن تميم بْن باديس : إنّما جئت طالبًا بثأر محمد بْن رشيد صاحب قابس ، وردّه إلى قابس ، وأنت فبيننا وبينك عهود إلى مدة ، فنريد منك عسكرًا يكون معنا ، فجمع الحَسَن الفُقهاء والكبار وشاورهم ، فقالوا : نقاتل عدوّنا ، فإنّ بلدنا حصين ، قَالَ : أخاف أن ينزل إلى البرَّ ويحاصرنا برًّا وبحرًا ويمنعنا الميرة ، ولا يحلّ لي أن أُعطيه عسكرًا يقاتل بِهِ المسلمين ، وإنِ امتنعتُ قَالَ : نقَضْت ، والرأي أن نخرج بالأهل والولد ، ونترك البلد ، فمن أراد أن ينزح فلْيَنْزَح ، وخرج لوقته ، فخرج الخلْق عَلَى وجوههم ، وبقي من احتمى بالكنائس عند أهلها ، وأخذت الفرنج المهدّية بلا ضرْبة ولا طَعْنة ، فإنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون ، فوقع النّهب نحو ساعتين ، ونادوا بالأمان ، وسار الحَسَن إلى عند أمير عرب تِلْكَ النّاحية ، فأكرمه ، وصار للفرنج من طرابلس المغرب إلى قريب تونس . وأمّا الحَسَن ، فعزم عَلَى المسير إلى مصر ، ثمّ عزم عَلَى المصير إلى عبد المؤمن هُوَ وأولاده ، وهو التّاسع من ملوك بني زيري ، وكانت دولتهم بإفريقيَّة مائتين وثمان سنين .