الذهبي

673

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ولّى أحدًا من قُضاته ، كان فيما يعهد إليه أن لَا يقطع أمرًا دون أن يكون بمحضر أربعةٍ من أعيان الفُقهاء ، يشاورهم في ذلك الأمر ، وإنْ صَغُرَ ، فبلغ الفُقهاء في أيّامه مبلغًا عظيمًا ، ونفقت في زمانه كُتُب الفقه في مذهب مالك ، وعُمل بمقتضاها ، ونبذ وراءه ما سواها ، وكثُر ذلك حتّى نسي العلماء النَّظَر في الكتاب والسُّنَن ، ودان أهل زمانه بتكفير كلّ من ظهر منه الخَوْض في شيءٍ من علوم الكلام ، وقرَّر الفقهاء عنده تقبيح الكلام وكراهية الصَّدْر الأوّل له ، وأنّه بِدْعة ، حتّى استحكم ذلك في نفسه ، فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالوعيد على مَن وُجِد عنده شيءٌ من كُتُب الكلام . ولمّا دخَلَت كُتُب أبي حامد الغزّاليّ - رحمه الله - إلى المغرب ، أمَرَ أمير المسلمين عليّ بن يوسف بإحراقها ، وتوعَّد بالقتل من وجِد عنده شيءٌ منها ، واشتد الأمر في ذلك إلى الغاية . واعتنى باستدعاء المنشئين والكُتاب ، فاجتمع له ما لم يجتمع لسلطانٍ منهم ، كأبي القاسم بن الجد الأحدب ، وأبي بكر محمد بن محمد بن القنطرية ، وأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال ، وأخيه أبي مروان ، وعبد المجيد بن عيذون . وطالت أيامه ، إلى أن التقى عسكر بَلَنْسِية مع العدوّ الملعون ، فهزموا المسلمين ، وقتلوا من المرابطين خلقًا كثيرًا ، وذلك بعد الخمسمائة ، واختلت بعدها حال عليّ بن يوسف ، وظهرت في بلاده مناكِرُ كثيرة ، لاستيلاء أمراء المرابطين الّذين هم جُنْده على البلاد الأندلُسيَّة ، ثمّ ادعوا الاستبداد بالأمور ، وانتهوا في ذلك إلى التّصريح ، وصار كلّ واحدٍ منهم يجهر بأنّه خيرٌ من أمير المسلمين عليّ بن يوسف ، وأنّه أَوْلَى بالأمر منه ، واستولى النّساء على الأحوال ، وصارت كل امرأةٍ من أكابر البرابر مشتملةً على كلّ مفسدٍ وشرّير ، وقاطعِ سبيلٍ ، وصاحب خمرٍ ، وأميرُ المسلمين في ذلك يزيد تغافُلُه ، وَيقْوَى ضعْفُه ، وقنع بالاسم والخُطْبة ، وعكف على العبادة ، فكان يصوم النّهار ، ويقوم اللّيل ، واشتهر عنه ذلك ، وأهمل أمر الرعيَّة غاية الإهمال ، وكان يعلم من نفسه العجز ، حتّى أنّه رفع مرَّة يديه وقال : اللَّهُم قيِّض لهذا الأمر من يقوى عليه ويُصْلح أمور المسلمين ، حكى عنه هذا عبد الله بن خيار .