الذهبي
583
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وفي اليوم الثالث أحضروا ببغداد القُضاة والعلماء عند الوزير عليّ بن طِراد ، وكتبوا محضرًا فيه شهادة طائفةٍ بما جرى من الرّاشد بالله من الظُّلم ، وأخْذ الأموال ، وسفْك الدّماء ، وشرب الخمر ، واستفتوا الفقهاء في من فعل ذلك ، هل تصحُّ إمامته ؟ وهل إذا ثَبَتَ فِسْقُه يجوز لسلطان الوقت أنّ يخلعه ، ويستبدل به خيرًا منه ؟ فأفتوا بجواز خلْعه ، وفسْخ عقْده ، ووقع الاختيار على تولية الأمير أبي عبد الله محمد ابن المستظهر بالله ، فحضر السّلطان مسعود والأمراء إلى دار الخلافة ، وأحضر الأمير أبو عبد الله ، وحضر الوزير ، وأبو الفتوح بن طلْحة ، وابن الأنباريّ الكاتب ، وبايعوه ، ولُقّب بالمقتفيّ لأمر الله ، وبايع الخلْق وعُمره أربعون سنة ، وقد وَخَطَه الشَّيْب . وخرج الرّاشد بالله من الموصل إلى بلاد أَذَرْبَيْجان ، وكان معه جماعة ، فقسّطوا على مَرَاغَة مالًا ، وعاثوا هناك ، ومضوا إلى هَمَذَان فدخلوها ، وقتلوا جماعة ، وصلبوا آخرين ، وحلقوا لِحَى جماعة من العلماء وأفسدوا ، ثمّ مضوا إلى نواحي أصبهان فحاصروا البلد ونهبوا القرى ، ونزل الرّاشد بظاهر أصبهان ، ومرض مرضًا شديدًا ، فَبَلَغَنَا أنّ جماعةً من العجم كانوا فرّاشين معه دخلوا عليه خركاهه في سابع وعشرين رمضان ، فقتلوه بالسّكاكين ، ثمّ قُتِلوا كلّهم ، وبَلَغَنَا أنّهم كانوا سَقَوْهُ سُمًّا ، ولو تركوه لَمَا عاش ، وبنى له هناك تربةً ، سامحه الله . قال ابن السّمعانيّ : قُتل فتْكًا في سادس وعشرين رمضان صائمًا ، ودُفِن في جامع مدينة جيّ ، وعُقِد له العزاء ببغداد وأنا بها ، عاش ثلاثين سنة . وقال العماد الكاتب : كان له الحُسْن اليُوسُفيّ ، والكرم الحاتميّ ، بل الهاشميّ استدعى والدي صفيّ الدّين ليولّيه الوزارة ، فتعلّل عليه ، خلّف ببغداد نيفًا وعشرين ولدًا ذَكَرًا . وقال ابن الجوزيّ : في سبب موته ثلاثة أقوال : أحدها : أنّه سُقي السُّم ثلاث مرات ، والثّاني : أنّه قتله الفرّاشون ، والثالث : أنّه قتلته الباطنيَّة ، وجاء الخبر ، فقعدوا له للعزاء يومًا واحدًا .