الذهبي

582

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ولد سنة اثنتين وخمسمائة ، ويقال : إنه ولد مسدودًا ، فأحضروا الأطباء ، فأشاروا بأن يُفتح له مخرجٌ بآلةٍ من ذَهَب ، ففُعل ذلك به فنفع ، وأُمُّه أمّ ولد ، خطب له أبوه بولاية العهد في سنة ثلاث عشرة . قال ابن واصل القاضي : حُكي عمّن كان يدخل إلى دار الخلافة ويطّلع على أسرارهم ، أنّ الخليفة المسترشد أعطى ولده الرّاشد ، وعُمره أقل من تسع سِنين ، عدَّة جواري ، وأمرهن أنّ يلاعبْنَه ، وكانت فيهنّ جارية حَبَشيَّة ، فحملت من الرّاشد ، فلمّا ظهر الحَمْل وبلغ ذلك المسترشد أنكره ، فسألها ، فقالت : والله ما تقدَّم إليَّ سواه ، وإنّه احتلم ، فسأل باقي الجواري فقلن كذلك ، فأمر أن تحمل الجارية قطنًا ، ثم وطئها الرّاشد ، ثمّ أخرجت القطْن وعليه المَنِيّ ، ففرح المسترشد ، وهذا من أعجب الأشياء ، ثمّ وضعت الجارية ولدًا سمّاه أمير الجيش ، وقد قيل : إنّ صبيان تِهامة يحتلمون لتسعٍ ، وكذلك نساؤهم ، وكان للراشد نيّف وعشرون ولدًا . بويع بالخلافة في ذي القعدة سنة تسعٍ وعشرين ، وكان أبيض ، مليحًا ، تامّ الخَلْق ، شديد الأَيْد ، شجاعًا ، قيل : إنّه كان في بستان دار الخلافة أيّل عظيم الشّكْل ، اعترض في البستان ، وأحجم الخَدَمُ عنه ، فهجم هو عليه ، وأمسك بقَرْنَيْه ورماه إلى الأرض وطلب مِنشارًا ، وقطع قَرْنَيْه . وكان حَسَن السّيرة ، جيّد الطَّوِيَّة ، يُؤْثر العدْل ، ويكره الشر ، وكان فصيحًا ، أديبًا ، شاعرًا ، سَمْحًا ، جوادًا ، لم تطُل أيّامه حتّى خرج من بغداد إلى الموصل ، ودخل ديار بكر ، ومضى إلى أَذَرْبَيْجان ، ومازَنْدَران ، ثمّ عاد إلى أصبهان ، وأقام على باب أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه محاصرا لأصبهان إلى أنّ قتلته الملاحدة هناك . وكان بعد خروجه من بغداد وصول السّلطان مسعود بن محمد إليها ، فاجتمع بالكبار ، وخلع الرّاشد بالله ، وبايع عمّه الإمام المقتفيّ ، ودام الأمر سنةً للراشد قبل ذلك . قال ابن ناصر الحافظ : دخل السلطان مسعود إلى بغداد وفي صُحبته أصحاب المسترشد بالله الوزير عليّ بن طِراد ، وصاحب المخزن ابن طلحة ، وكاتب الإنشاء ، فخرج الرّاشد بالله طالبًا إلى الموصل في صُحبة أميرها زنكيّ .