الذهبي

409

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وطرده ، وكان إذا خاف من البْطش وإيقاع الفعل به خلّط في كلامه ليظنّوه مجنونًا ، فخرج إلى الإسكندرية ، فأقام بها مدة ، وركب البحر إلى بلاده . وكان قد رأى في منامه وهو بالمشرق كأنه قد شرب ماء البحر جميعه كرّتين ، فلمّا ركب السّفينة شرع ينكر ، وألْزمهم بالصّلاة والتّلاوة ، فلما انتهى إلى المَهْديَّة ، وصاحبها يومئذٍ يحيى بن تميم الصَّنْهاجيّ ، وذلك في سنة خمسٍ وخمسمائة ، فنزل بها في مسجد معلق على الطّريق ، وكان يجلس في طاقته ، فلا يرى مُنْكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخُمور إلا نزل وكسرها ، فتسامَعَ به النّاس ، وجاءوا إليه ، وقرأوا عليه كُتُبًا في أصول الدّيانة ، وبلغ خبرُه الأمير يحيى ، فاستدعاه مع جماعةٍ من الفقهاء ، فلّما رأى سَمْتَه وسمع كلامه أكرمه ، وسأله الدّعاء ، فقال له : أَصْلَحَك اللهُ لرعيّتك . ثمّ نزح عن البلد إلى بَجَّايَة ، فأقام بها يُنْكر كدأبه ، فأخرج منها إلى قرية ملالة ، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القَيْسيّ ، فيقال : إنّ ابن تُومَرْت كان قد وقع بكتاب فيه صفة عبد المؤمن وصفة رجلٍ يظهر بالمغرب الأقصى مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضعٍ من المغرب ، يُسَمّى " ت ي ن م ل " ، ويجاوز وقته المائة الخامسة ، فألقي في ذهنه أنّه هو ، وأخذ يتطَلب صفة عبد المؤمن فرأى في الطريق شابًا قد بلغ أشده على الصفة الّتي معه ، فقال : يا شابّ ما أسمك ؟ قال : عبد المؤمن ، فقال : الله أكبر ، أنت بُغْيَتي ، فأين مقصِدُك ؟ قال : المشرق لطلب العِلم ، قال : قد وجدت علمًا وشرفًا اصحبني تنله ، ثمّ نظر في حِلْيته فوافَقَتْ ، وقال : ممّن أنت ؟ قال : من كُومية ، فربط الشّابّ ، وألقي إليه سرّه . وكان ابن تُومَرْت قد صحِبَه عبدُ الله الوَنْشَرِيسيّ ممّن تهذَّب وتفقّه ، وكان جميلًا ، فصيحًا في العربية ، فتحدَّثا يومًا في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب ، فقال لعبد الله : أرى أن تستر ما أنتَ عليه من العلم والفصاحة عن الناس ، وتظهر من العيّ واللَّكَن والجهل ما تشتهر به ، لتتخذ الخروج عن ذلك ، وإظهار العلم دفعةً واحدة ، فيكون ذلك معجزة ، ففعل ذلك ، ثمّ استدنى محمد أشخاصًا أجلادًا في القوى الجسْمانيَّة ، أغمارًا ، فاجتمع له ستَّة ، فتوجهوا إلى