الذهبي
410
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
مَراكُش ، وملِكها علي بن يوسف بن تاشفين ، وكان ملكًا حليمًا ، عادلًا ، متواضعًا ، وكان بحضرته مالك بن وُهَيْب الأندلسيّ الفقيه ، فأخذ ابن تُومَرْت في الإنكار ، حتى أنكر على ابنه الملك ، وذلك في قصةٍ طويلة ، فبلغ خبرُه الملك ، وأنه يحدّث في تغيير الدّولة ، فكلّم مالك بن وُهَيْب في أمره ، وقال : نخاف من فَتح بابٍ يَعْسُرُ علينا سَدُّه ، وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجدٍ خراب بظاهر البلد ، فأحضروهم في محفلٍ من العلماء ، فقال الملك علي : سَلُوَا هذا ما يبغي ، فكلّموه ، وقال : ما الّذي يُذكر عنك من القول في حقّ الملك العادل الحليم المُنْقاد إلى الحق ؟ فقال : أما ما نُقِل عنّي ، فقد قلتُهُ ، ولي من ورائه أقوال ، وأما قولك : إنّه يُؤْثِرَ طاعةَ الله على هواه ، وينقاد إلى الحقّ ، فقد حضر اعتبار صحة هذا القول عليه ، ليعلم بتعرّيه عن هذه الصِّفة إنّه مغرورٌ بما تقولون له وتُطرونه به ، مع عِلمكم أنّ الحُجَّة عليه متوجّهة ، فهل بلغك يا قاضي أنّ الخمر تُباع جَهَارًا ، وتمشي الخنازير بين المسلمين ، وتؤخذ أموال اليتامى ؟ وعدّد من ذلك أشياء ، حتّى ذَرَفَتْ عينا الملك ، وأطرق حياءً ، ففهم الدُّهاة من كلامه طَمَعَه في المُلْك ، ولّما رأوا سكوت الملك وانخداعه له لم يتكلّموا ، فقال مالك بن وُهَيْب : إنّ عندي نصيحة ، إنْ قبِلَها الملكُ حَمَدَ عاقبتها ، وإنْ تَرَكَها لم آمَنْ عليه ، قال : وما هي ؟ قال : إنّي خائف عليك من هذا الرجل ، وأرى أن تسجنه وأصحابه ، وتنفق عليهم كلّ يومٍ دينارًا ، وإلّا أنفقْتَ عليه خزائنك ، فوافقه الملك ، فقال الوزير : أيُّها الملك ، يقبح أن تبكي من موعظة هذا ، ثمّ تُسيء إليه في مجلسٍ واحد ، وأن يظهر منك الخوف مع عِظَم ملْكك ، وهو رجل فقير لَا يملك سدّ جوعه ، فأخَذتَ المَلِكَ العِزَّةُ ، واسْتَهْوَن أمره وصَرَفه ، وسأله الدّعاء . وقيل : إنّه لما خرج من عنده لم يزل وجهه تلقاء وجهه ، إلى أن فارقه ، فقيل له : نراك تأدّبت مع الملك ، فقال : أردت أن لَا يفارق وجهي الباطل حتى أغيّره ما استطعت . ولما خرج قال لأصحابه : لَا مُقام لنا بمراكُش مع وجود مالك بن وُهَيْب ، فإنّا نخاف مَكْره ، وإنّ لنا بأغمات أخًا في الله فنقصده ، فلن نُعدم منه رأيًا ودُعاء ، وهو الفقيه عبد الحق بن إبراهيم المصمودي ، فسافروا أليه فأنزلهم ، وبثوا إليه سرّهم ، وما جرى لهم ، فقال : هذا الموضع لَا يحميكم ، وإنّ أحصن