الذهبي

359

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ثمّ عامله مسعود بما أمره به عمّه ، وسأل من الخليفة أن يُشَفَّعه في دُبَيْس ، فأجابه ، فأحضروه مكتوفا بين أربعة أمراء ، ومع واحد سيف مجذوب ، وكَفَن منشور ، وأُلقي بين يدي السّرير ، وقال مسعود : يا أمير المؤمنين هذا السّبب الموجب لِما تمّ ، فإذا زال السّبب زال الخلاف ، ومهما تأمر نفعل به ، وهو يبكي ويتضرع ويقول : العفو عند القدرة ، وأنا أقَلّ وأَذَلّ ، فعفي عنه وقال : { لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ } فحلوه ، وقبّل يد أمير المؤمنين وأَمرَّها على وجهه ، وقال : بقرابتك مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا ما عفوت عنّي ، وتركتني أعيش في الدّنيا ، فإنّ الخوف منك قد برح بي . وأمّا بكبة شِحْنة بغداد ، فإنّه أمر بنقْض السور ببغداد ، فنقضت مواضع كثيرة ، وقال : عمرتموه بفرح ، فانقضوه كذلك ، وضربت لهم الدبادب ، وردوا الباب الحديد الّذي أُخِذ من جامع المنصُور إلى مكانه . وقدم رسولٌ ومعه عسكر يستحث مسعودا من جهة عمّه على إعادة الخليفة إلى بغداد ، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنيَّة ، فذُكر أنّ مسعودًا ما علم بهم ، فالله أعلم ، فركب السّلطان والعساكر لتلقي الرسول ، فهجمت الباطنيَّة على الخليفة ، ففتكوا به رحمه الله ، وقتلوا معه جماعة من أصحابه ، فعلم العسكر ، فأحاطوا بالسُّرادق فخرج الباطنيَّة وقد فرغوا من شُغلهم ، فقُتِلَوا ، وجلس السّلطان للعزاء ، ووقع النّحيب والبكاء ، وذلك على باب مَرَاغة ، وبها دُفن . وجاء الخبر ، فطلب الرّاشد النّاس طول الليل فبايعوه ببغداد ، فلمّا أصبح شاع قتْله ، فأغلق البلد ، ووقع البكاء والنّحيب ، وخرج النّاس حُفاةً مخرقين الثّياب ، والنّساء منشّرات الشُّعور يلْطِمْن ، ويقُلْن فيه المراثي على عادتهنّ ، لانّ المسترشد كان محبَّبًا فيهم بمرة ، لما فيه من الشّجاعة والعدل والرَّفْق بهم . فمن مراثي النّساء فيه : يا صاحب القضيب ونور الخاتم . . . صار الحريم بعد قتلك مأتم اهتزّت الدّنيا ومَن عليها . . . بعد النّبيّ ومن ولي عليها قد صاحت البومة على السُّرادق . . . يا سيّدي ذا كان في السّوابق تُرَى تراك العين في حريمك . . . والطرحة السوداء على كريمك وَعُمِلَ العزاء في الدّيوان ثلاثة أيام ، تولى ذلك ناصح الدّولة ابن جَهير ، وأبو الرّضا صاحب الديوان ، ثم شرعوا في الهناء ، وكتب السلطان إلى