الذهبي
358
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
مائة وثلاثة وخمسون نفْسًا ، وهرب أبو الكَرَم الوالي ، وحاجب الباب إلى دار خاتون ، ورمى أعوان الشحنة الأبواب الحديد التي عَلَى السور ، ونقبوا فِيهِ فتحات ، وأشرفت بغداد على النَّهْب ، فنادى الشِّحْنة : لَا ينزل أحدٌ في دار أحد ، ولا يؤخذ لأحدٍ شيء ، والسلطان جائي بين يدي الخليفة ، وعلى كتفه الغاشية ، فسكن النّاس ، وطلب السّلطان من الخليفة نظرا الخادم فنفّذ ، أطلقه ، وسار بالخليفة إلى داود ، إلى مراغة . وقال ابن الجوزيّ : وزلزلت بغداد مِرارًا كثيرة ، ودامت كلّ يومٍ خمس أو ست مرّات إلى ليلة الثّلاثاء ، فلم تزل الأرض تَمِيد من نصف اللّيل إلى الفجر ، والنّاس يستغيثون . وتصّرف عمّال السّلطان في بغداد ، وعوّقوا قرى وليّ العهد ، وختموا على غلّاتها ، فافْتَكّ ذلك منهم بستّمائة دينار ، فأطلقوها ، وتفاقم الأمر ، وانقطع خبر العسكر ، واستسلم الناس ، ثمّ أرسل سَنْجَر إلى ابن أخيه مسعود يقول : ساعة وقوف الولد غياث الدّنيا والدّين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل بين يديه ، ويسأله العفو والصفح ، ويتنصل غاية التّنصُّل ، فقد ظهرت عندنا من الآيات السّماويَّة والأرضية ما لَا طاقة لنا بسماع مثلها ، فضلًا عن المشاهدة من العواصف والبُرُوق والزلازل ، ودوام ذلك عشرين يومًا ، وتشويش العساكر وانقلاب البلدان ، ولقد خِفْت على نفسي من جانب الله وظهور آياته ، وامتناع الناس من الصّلوات في الجوامع ، ومنْع الخُطَباء ما لَا طاقة لي بحمله ، فالله الله بتلافي أمرك ، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقّر عزّه ، وتسلِّم إليه دُبَيْسًا ليحكم فيه ، وتحمل الغاشية بين يديه أنت وجميع الأمراء ، كما جرت عادتنا وعادة آبائنا ، فنفّذ مسعود بهذه المكاتبة مع الوزير ، ونظر ، فدخلا على الخليفة ، واستأذنا لمسعود ، فدخل وقبّل الأرض ، ووقف يسأل العفو ، فقال : قد عُفِي عن ذنْبك ، فاسكن وَطِبْ نفسًا .