الذهبي
341
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
على الشّام ، فسار بعساكره ، فبدأ بالرَّحْبَة ، فحاصرها ، ومرض مرضًا حادًا ، فتسلم القلعة ، ومات بعد ساعة ، وبقي مطروحًا على بساط ، وتفرق جيشه ، ونهب بعضُهم بعضًا ، فأراد غلمانه أن يُقيموا ولده ، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج ، لعنهم الله . وفيها سئل أبو الفتح الإِسْفَرَايِينِيُّ فِي مَجْلِسِهِ بِبَغْدَادَ عَنِ الْحَدِيثِ : " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ " ، فَقَالَ : لَمْ يصح ، والحديث في الصّحيح . وقال يومًا على المنبر : قيل يا رسول الله ، كيف أصبحت ؟ فقال : " أعمى بين العُمْيان ، ضالًّا بين الضلال " ، فاستحضره الوزير ، فأقر ، وأخذ يتأول تأولات فاسدة ، فقال الوزير للفُقهاء : ما تقولون ؟ فقال ابن سلمان مدرّس النّظاميَّة : لو قال هذا الشّافعي ما قبِلْنا منه ، ويجب على هذا أن يجدد إيمانه وتوبته ، فمُنع من الجلوس بعد أن استقرّ أنّه يجلس ، ويشدّ الزّنّار ، ثم يقطعه ويتوب ، ثم يرحل ، فنصره قومٍ من الأكابر يميلون إلى اعتقاده ، وكان أشعريًا ، فأعادوه إلى الجلوس ، وكان يتكلَّم بما يُسقِط حُرْمة المُصْحَف من قلوب العوامّ ، فافتتن به خلق ، وزادت الفتن ببغداد ، وتعرض أصحابه لمسجد ابن جردة فرجموه ، ورُجم معهم أبو الفتوح ، وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف مُسَلَّلَة ، ثم اجتاز بسوق الثُّلاثاء ، فرُجم ورُميت عليه الميتات ، ومع هذا يقول : ليس هذا الّذي نتلوه كلام الله ، إنما هو عبارة ومَجَاز ، ولمّا مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد ، وغُلَّقت الأسواق ، وكان عوامّ الحنابلة يصيحون على عادتهم : هذا يوم سُنّيّ حنبلي لَا أشعريّ ولا قشيري ويصرحون بسب أبي الفتوح هذا ، فمنعه المسترشد بالله من الجلوس ، وأمره أن يخرج من بغداد ، وكان ابن صَدَقة يميل إلى السُّنَّة ، فنصرهم .