الذهبي

340

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

السلطان وأحب ذلك ، وراجع الطاعة ، وأطمأن الناس ، وطُمَّت الخنادق ، ودخل أصحاب السلطان يقولون : لنا ثلاثة أيام ما أكلنا خبزا ، ولولا الصُّلح لمتنا جوعًا ، وكانوا يسلقون القمح ويأكلونه ، فما رؤي سلطانٌ حاصر فكان هو المحاصَر ، إلا هذا ، وظهر منه حلم وافر عن العوام ، وبعث الخليفة مع علّي بن طِراد إلى سَنْجر خِلعًا وسيفين ، وطوقًا ولواءين ، ويأمره بإبعاد دبيس من حضرته . وجاء الخبر بأن سنجْر قتل من الباطنية اثني عشر ألفًا ، فقتلوا وزيره المعين ، لأنه كان يحرض عليهم وعلى استئصالهم ، فتحيل رجل منهم ، وخدم سائسا لبغال المعين ، فلما وجد الفرصة وثب عليه وهو مطمئن فقتله ، وقُتِلَ بعده ، وكان هذا الوزير ذا دِين ومروءة ، وحسن سيرة . ومرض السّلطان محمود في الميدان ، وغُشى عليه ، ووقع من فرسه ، واشتد مرضه ، ثم تماثل فركب ، ثم انتكس ، وأُرجِف بموته ثمّ خُلع عليه وهو مريض ، وأشار عليه الطّبيب بالرواح من بغداد ، فرحل يطلب هَمَذَان ، وفوّض شِحْنكيَّة بغداد إلى عماد الدين زنكي . وبعد أيام جاء الخبر من همذان بأن السلطان قَبض على العزيز المستوفي وصادره وحبسه ، وعلى الوزير فصادره وحبسه ، وكان السبب أنّ الوزير تكلَّم على العزيز ، وأن برنقش الزكوي تكلم على الوزير ، ثمّ بعث السلطان إلي أنوشروان بن خالد الملقب شرف الدين ، وهو ببغداد ، فاستوزره ، فلم يكن له ما يتجهَّز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخِيَم والخيل ، فرحل إلي أصبهان في أول رمضان في السنة ، أقام في الوزارة عشرة أشهر ، واستعفى وعاد إلى بغداد . وفي رمضان وصل مجاهد الدّين بهروز إلي بغداد ، وقد فوض إليه السلطان بغداد والحلة ، وفوض إلى زنكي الموصل ، فسار إليها . ومات عزّ الدّين مسعود بن آقْسُنْقُر البُرْسُقيّ في هذه السنة ، وكان قد ولي الموصل بعد قتل والده ، واتفق موتُه بالرَّحْبَة ، فإنه سار إليها ، وكان بطلًا شجاعًا ، عالي الهمَّة ، ردّ إليه السُلطان جميع إقطاع والده ، وطمع في التّغلُّب