الذهبي
836
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
فابتدأ سير بملوك بُنيّ هود يستنزلهم من قلعة روطة ، وهي منيعة إلى الغاية ، وماؤها يُنْبُوعٌ في أعلاها ، وبها من الذخائر المختلفة ما لا يوصف ، فلم يقدر عليها ، فرحل عَنْهَا ، ثمّ جَنَّد أجنادًا عَلَى زِيّ الفرنج ، وأمرهم أنّ يقصدوها كالمُغِيرين ، وكمن هُوَ والعسكر ، ففعلوا ذلك ، فرأى ابن هود قلتهم ، فاستضعفهم ، ونزل في طلبهم ، فخرج عَلَيْهِ سير ، فأسره وتسلم القلعة ، ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس ، فسلموا إِلَيْهِ ، ولحِقُوا بالعدْوَة ، ثمّ نازل بني صُمَادِح بالمَرِيّة ، فمات ملكهم في الحصار ، فسلّموا المدينة ، ثمّ نازلوا المتوكلّ عُمَر بْن الأفطس ببَطَلْيُوس ، فخامر عَلَيْهِ أصحابه ، فقبضوا عَلَيْهِ ، ثمّ قتل صبرًا . ثمّ إنّ سير كُتُب إلى ابن تاشَفِين أَنَّهُ لم يبق بالجزيرة غير المعتمد فأمره أن يعرض عَلَيْهِ التّحوّل إلى العدْوَة بأهله وماله ، فإن أبى فنازله ، فلمّا عرض عَلَيْهِ سير ذَلِكَ لم يجبه ، فسَار وحاصره أشْهُرًا ، ثمّ دخل عَلَيْهِ البلد قهرًا ، وظفر بِهِ ، وبعثه إلى العدْوَة مقيَّدًا ، فحُبِس بأَغْمات إلى أن مات ، وتسلّم سير الجزيرة كلها . وقال ابن دحية أو غيره : نزل يوسف عَلَى مدينة فاس في سنة أربع وستين وأربعمائة وحاصرها ، ثمّ أخذها ، فأقرّ العامّة ، ونفى البربر والجند عنها بعد أن حبس رؤوسهم ، وقتل منهم ، وكان مؤثرًا لأهل العلم والدّين ، كثير المَشُورَة لهم . وكان معتدل القامة ، أسمر ، نحيفًا ، خفيف العارضيْن ، دقيق الصوت ، حازمًا ، سائسًا ، وكان يخطب لبني العبّاس ، وهو أوّل من تسمى بأمير المسلمين ، وكان يحبّ العفْو والصَّفْح ، وفيه خيرٌ وعدل . وقال أبو الحَجّاج يوسف البيّاسيّ في كتاب " تذكير الغافل " : إن يوسف ابن تاشَفِين جاز البحر مرة ثالثة ، وقصد قُرْطُبَة ، وهي لابن عَبّاد ، فوصلها سنة ثلاثٍ وثمانين ، فخرج إِلَيْهِ المعتمد بالضيافة ، وجري معه عَلَى عادته ، ثمّ إنّ ابن تاشَفِين أخذ غرناطة من عَبْد اللَّه بْن بلقين بْن باديس ، وحبسه ، فطمع ابن عَبّاد في غَرْناطة ، وأن يُعطِيَه ابن تاشَفِين إيّاها ، فعرض لَهُ بذلك ، فأعرض عنه ابن تاشفين وخاف ابن عباد منه ، وعمل على الانفصال عنه لا يمسكه ، ورد ابن