الذهبي
837
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
تاشَفِين إلى مُرّاكش في رمضان من السّنة ، فلمّا دخلت سنة أربع عزم عَلَى العبور إلى الأندلس لمنازلة المعتمد بْن عَبّاد ، فاستعدّ له ابن عباد ، ونازلته البربر ، فاستغاث بالأذفونش ، فلم يلتفت إِلَيْهِ . وكانت إمرة يوسف بْن تاشَفِين عند موت أَبِي بَكْر بْن عُمَر أمير المسلمين سنة اثنتين وستين وأربعمائة ، وكانت الدّولة قبلهما لزَنَاتَة ، وكانت دولة ظالمة فاجرة ، وكان ابن تاشَفِين وعسكره فيهم يبس وديانة وجهاد ، فافتتح البلاد ، وأحبَّته الرّعيّة ، وضيّق لِثامَه هُوَ وجماعته ، فقيل : إنهم كانوا يتلثّمون في الصّحراء كعادة العرب ، فلمّا تملّك ضيّق ذَلِكَ اللّثام . قَالَ عُزَيز : وممّا رأيته عيانًا أَنَّهُ كَانَ لي صديقٌ منهم بدمشقٍ ، وبيننا مودة ، فأتيتُه ، فدخلت وقد غسَل عمامته ، وشدّ سِرواله عَلَى رأسه ، وتلثَّم بِهِ ، هذا بعد أنّ انقضت دولتهم ، وتفرقوا في البلاد ، وحكى لي ثقة أنه رأى شيخا من الملثمة بالمغرب منزويا في نهر يغسل ثيابه وهو عريان ، وعورته بادية ، ويده اليُمْنى يغسل بها ، ويده اليُسْرى يَسْتر بها وجهه ! وقد جعل هَؤُلَاءِ اللّثام لوجوههم جُنَّةً ، فلا يُعرف الشَّيْخ منهم من الشّاب ، فلا يزيلونه ليلًا ولا نهارًا ، حتّى أنّ المقتول منهم في المعركة لا يكاد يعرفه أهله ، حتّى يجعلوا عَلَى وجهه لثامًا ، ولبعضهم : قومٌ لهم دَرْكُ العلى في حميرٍ . . . وإن انتموا صنهاجةً فهم هم لما حووا إحراز كل فضيلةٍ . . . غلب الحياء عليهمو فتلثموا وتزوج ابن تاشَفِين بزينب زوجة أَبِي بَكْر بْن عُمَر ، وكانت حاكمة عَلَيْهِ ، وكذلك جميع الملثمين يكبرون نساءهم ، وينقادون لأمرهن ، وما يسمّون الرَجل منهم إلّا بأمّه . وهنا حكاية ، وهي أنّ ابن خلوف القاضي الأديب كَانَ لَهُ شِعْرٌ ، فبلغ زينبَ هذه أَنَّهُ مدح حوّاء امرأة سير بْن أَبِي بَكْر ، وفضَّلها عَلَى جُمَيْع النّساء بالجمال ، فأمرت بعزْله عَن القضاء ، فسار إلى أَغْمات ، واستأذن عليها ، فدخل