الذهبي
835
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
والفرش والأطعمة الفاخرة ، فأقبل خواصّه عَلَيْهِ ينبهونه عَلَى تِلْكَ الهيئة ويحسنونها ، ويقولون : ينبغي أنّ تتخذ ببلادك نحو هذا ، فأنكر عليهم ، وكان قد دخل في الشيخوخة ، وفنيت إرادته ، وأدمن عَلَى عيش بلاده ، ثمّ أخذ يعيب طريقة المعتمد وتنعمه المُفْرِط ، وقال : مَن يتعانى هذه اللّذات لا يمكن أنّ يعدل كما ينبغي أبدًا ، ومن كان هذا همته متى تشحذ في حفظ بلاده ورعيته ! ثمّ سأل يوسف : هَلْ يفعل المعتمد هذا التنعم في كلّ أوقاته ؟ فقيل لَهُ : بل كلّ زمانه عَلَى هذا ، فسكت ، وأقام عنده أيّامًا ، فأتى المعتمد رجلٌ عاقل ناصح ، فخوّفه من غائلة ابن تاشَفِين ، وأشار عَلَيْهِ بأن يقبض عَلَيْهِ ، وأن لا يُطْلقه حتّى يأمر كلَّ من بالأندلس من عسكره أنّ يرجع من حيث جاء : ثمّ تتّفق أنت وملوك الأندلس عَلَى حراسة البحر من سفينة تجري لَهُ ، ثمّ تتوثق منه بالأَيْمان أن لا يغدر ، ثمّ تُطْلِقه ، وتأخذ منه عَلَى ذَلِكَ رهائن . فأصغى المعتمد إلى مقالته واستوصبها ، وبقي يفكّر في انتهاز الفرصة ، وكان لَهُ نُدَماء قد انهمكوا معه في الّلذّات ، فقال أحدهم لهذا الرجل : ما كَانَ أمير المؤمنين ، وهو إمامُ أهل المَكْرُمات ممّن يُعامل بالحَيْف ويغدر بالضَّيْف ، قَالَ : إنّما الغَدْر أَخْذُ الحقّ ممّن هُوَ لَهُ ، لا دفْع المرء عَنْ نفسه ، قَالَ النّديم : بل كَظْمٌ مَعَ وفاءٍ خيرٌ من حزْمٍ مَعَ جفاء ، ثمّ إنّ ذَلِكَ النّْاصح استدرك الأمر وتلافاه ، وشكر لَهُ المعتمد ، وأجازه ، فبلغ الخبرُ ابن تاشَفِين ، فأصبح غاديا ، فقدَّم لَهُ المعتمد هدايا عظيمة ، فقبِلَها وعبر إلى سَبْتَة ، وبقي جُلُّ عسكره بالجزيرة يستريحون . وأما الأذفونش ، فقدم إلى بلده في أسوأ حال ، فسأل عن أبطاله وبطارقته ، فوجد أكثرهم قد قتلوا ، وسمع نَوْح الثُّكَالَى عليهم ، فلم يأكل ولا الْتَذّ بعيشٍ حتّى مات غَمًّا ، وخلَّف بنتًا ، فتحصَّنت بطُلَيْطُلَة . ثمّ أخذ عسكرُ ابن تاشَفِين يغيرون ، حتّى كسبوا من الفرنج ما تجاوز الحدّ ، وبعثوا ، بالمغانم إلى مُرّاكش ، واستأذن مقدّمهم سِير بْن أَبِي بكر ابن تاشَفِين في المقام بالأندلس ، وأعلمه أَنَّهُ قد افتتح حصونًا ، ورتّب فيها ، وأنّه لا يستقيم الأمر إلّا بإقامته ، فكتب إِلَيْهِ ابن تاشَفِين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإلحاقهم بالعدوة ، فإن أَبَوْا عَلَيْهِ حاربهم ، وليبدأ بالثغور ، ولا يتعرض للمعتمد .