الذهبي

834

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم ، واللَّه وليُّ التّوفيق لنا ولكم ، والسلام ، ففرح بكتابه ابن عَبّاد وملوك الأندلس ، وقويت نفوسهم عَلَى دفع الفرنج ، ونَوَوْا إنْ رأوا من ملك الفرنج ما يرِيُبهُم أن يستنجدوا بابن تاشَفِين ، وصارت لابن تاشَفِين بفعله محبّةٌ في نفوس أهل الأندلس . ثمّ إنّ الأذفُونْش أَلحَّ عَلَى بلاد ابن عَبّاد ، فقال ابن عَبّاد في نفسه : إنْ دهينا من مداخلة الأضداد لنا ، فأَهْوَن الأمرَيْن أمر الملثَّمين ، ورعاية أولادنا جمالهم أهون من أن يَرْعَوْا خنازير الفرنج ، وبقي هذا الرّأي نُصْب عينيه ، فقصده الأذفونش في جيشٍ عَرَمْرَمٍ ، وجفل النّاس ، فطلب من ابن تاشَفِين النجدة ، والجهاد ، وكان ابن تاشَفِين عَلَى أتم أهبةٍ ، فشرع في عُبور جيشه ، فلمّا رأى ملوك الأندلس عبور البربر للجهاد ، استعدوا أيضًا للنجدّة ، وبلغ ذَلِكَ الأذفونش ، فاستنفر دِينَ النَّصرانيّة ، واجتمع لَهُ جنودٌ لا يُحْصِيهم إلّا الله ، ودخل مع ابن تاشفين شيء عظيمٌ من الجمال ، ولم يكن أهل جزيرة الأندلس يكادون يعرفون الجمال ، ولا تعوَّدتها خيلُهُم ، فتجافلت منها ومن رُغائها وأصواتها ، وكان ابن تاشفين يحدق بها عسكره ، ويحضرها الحروب ، فتنفر خيل الفرنج عنها ، وكان الأذفونش نازلًا بالزّلّاقة بالقرب من بَطَلْيُوس ، فقصده حزب اللَّه ، وقدم ابن تاشَفِين بين يديه كتابًا إلى الفرنج يدعوهم إلى الإسلام ، أو الحرب ، أو الجزية ، ثمّ أقبلت الجيوش ، ونزلت تجاه الفرنج ، فاختار ابن عَبّاد أنْ يكون هُوَ المصادم للفرنج أوّلًا ، وأن يكون ابن تاشَفِين ردفًا لَهُ ، ففعلوا ذَلِكَ ، فخذل الفرنج ، واستحر القتل فيهم ، فيقال : إنه لم يفلت منهم إلا الأذفونش في دون الثلاثين ، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة ، وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ، وعفّ يوسف عَن الغنائم ، وآثر بها ملوك الأندلس ليتمّ لَهُ الأجر ، فأحبوه وشكروا لَهُ ، وكانت ملحمةً عظيمةٍ قَلَّ أنْ وقع في الإسلام مثلها ، وجرح فيها ملك الفرنج ، وجمعت رؤوس الفرنج ، فكانت كالتّلّ العظيم . ثمّ عزم ابن عَبّاد عَلَى أمير المسلمين يوسف ، ورام أنّ ينزل في ضيافته ، فأجابه ، فأنزله في قصوره عَلَى نهر إشبيلية ، فرأى أماكن نزهة ، كثيرة الخير والحُسْن والرّزْق ، وبالغ المعتمد بْن عَبّاد وأولاده في خدمة أمير المسلمين ، وكان رجلًا بربريا ، قليل التّنعُّم والتّلذُّذ والرّفاهية ، فرأى ما هاله من الحشمة