الذهبي
688
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وبقي بركياروق ومحمد كفرسي رهان ، فدخل العقلاء بينهم بالصلح ، وكتبت بينهم أَيْمان وعُهُود ومواثيق ، فيها ترجيح جانب بَركيَارُوق ، وأُقيمت لَهُ الخطبة ببغداد ، وتسلم إصبهان بمقتضى الصُّلْح ، وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بَركيَارُوق . وفيها جاءت الفرنج في البحر ، فأعانوا صَنْجيل عَلَى حصار طرابلس ، وبالغوا في الحصار أيامًا ، فلم يغن شيئًا ، ففارقوه . ونازلوا مدينة جبيل أيامًا ، وجدوا في القتال ، فعجز أهلُها وتسلموها بالأمان ، فغدروا بأهلها ، وأخذوا أموالهم وعذبوهم . ثمّ ساروا إلى عكا نجدةً لبردوين صاحب القدس ، فحاصروها برًّا وبحرًا ، وأميرها زهر الدّولة نبأ الجيوشي ، فزحفوا عليها مرّةً غير مرّة ، إلى أن عجز نبأ عن عكا ، ففارقها ونزل في البحر ، وأخذتها الفرنج بالسيف ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقدم واليها إلى دمشق ، ثم دخل إلى مصر ، وعفا عَنْهُ أمير الجيوش الأفضل . وفيها نازلت الفرنج حران ، فسار لجهادهم سُقْمان وجَكَرْمِش في عشرة آلاف فارس ، فكانت الوقعة عَلَى نهر البَلِيخ ، فانهزم المسلمون أولاً ، وتبعتهم الفرنج فرسخين ، ثمّ عاد المسلمون عليهم فقتلوهم كيف شاؤوا ، وغنموا أسلابهم ، وكان فتحًا عظيمًا أذلّ نفوس الفرنج بمرة . وكان بيمند صاحب أنطاكيّة وتنكري صاحب السّاحل قد كمنا وراء جبل ، فلما خرجا رأيا أصحابهم منهزمين ، فتسحبا في الليل ، وفطن بهم المسلمون فتبعوهم ، وقتلوا وأسروا ، وأَفْلَت الملكان في ستة فرسان . وأسروا قُمْص الرُّها ، وحاز الغنيمة عسكرُ سُقْمان ، ولم يَظْفِرْ عسكرُ جَكَرْمِش صاحب المَوْصِل بطائل . ورحل سقمان وألبس أصحابه أسلاب الفرنج ، ورفع أعلامهم ، وكان يأتي الحصن فتخرج الفرنج منه ، ظناً أن هؤلاء أصحابهم ، فيقتلونهم ، ويملك سقمان الحصن ، فعل ذلك بعدة حصون . وأمّا جَكَرْمِش فإنّه سار إلى حَرّان وتسلّمها ، وقرّر بها نائبه ، وسار فحاصر الرُّها خمسة عشر يوماً وبها الفرنج ، ثمّ ترحّل إلى المَوْصِل وفي أسره القُمْص ، ففاداه بخمسة وثلاثين ألف دينار ، ومائة وستّين أسيرًا من المسلمين ؛