الذهبي
680
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
برج ليطلعوا منه ، فبادروا وندبوا ثلاثمائة من شجعانهم ، فلم يزالوا يطلعون في الحبال واحدًا واحدًا ، وكلّما طَلَع واحدٌ قتله ابن صُلَيْحة ، إلى أنّ قتلهم أجمعين ، فلمّا طلع الضوء صفف الرؤوس عَلَى السّور ، ثمّ إنّهم هدموا بُرجًا ، فأصبح وقد عمله ، وكان يخرج من الباب بفوارسه يقاتل ، فحملوا مرة عليه ، فانهزم فتبعه الفرنج ، فخرج أهل البلد ، وركبوا أكتافهم فانهزموا ، وجاء النصر ، وأسر مقدم الفرنج ، ثم علم ابن صليحة أن الفرنج لا ينامون عَنْهُ ، فسلّم البلد إلى صاحب دمشق ، وسار إلى بغداد بأمواله وخزائنه ، وأخذ له السلطان بركياروق شيئاً كثيراً . وفيها أقبل جيش للفرنج ، نحو خمسين ألفا ، فمروا ببلاد قِلِج أرسلان ، فحشد وجمع وعَرَض ستة آلاف فارس نقاوة ، وعمل له كميناً ، فكسر الفرنج كسرة مشهورة ، وغنم ما لا يوصف . قال ابن منقذ : حدثني محمد المستوفي رسول جناح الدّولة إلى ملك الروم ، أنهم اعتبروا عدتهم ، فكانوا ثلاثمائة ألف وخمسة وأربعين ألف إنسان ، ومعهم خمسون حِمْل ذهب وفضةٍ وديباجٍ ، فانضاف إليهم الذين انهزموا من الوقعة المذكورة ، فجمع قلج أرسلان التَّرْك ببلاده ، فزادوا عَلَى خمسين ألفًا ، وغوّر الماء الّذي في طريقهم ، وأحرق العُشْب ، وأخلى القُرى ، فأقبلوا في أرضٍ بلا ماء ولا مرعى . قال : وحدثني رسول رضوان إلى ملك الفرنج طنكلي أنه اجتمع مع الملك تبنين صاحب هذا الجمع ، فقال : خرجت من بلادي في أربعمائة ألف ، منهم ألفا شرابيّ ، وألف طبّاخ ، وألف فراش ، وسبعمائة بغْل ديباج ، ومال ، والخيّالة تزيد عَلَى خمسين ألفًا ، ولمّا سرتُ عَن القسطنطينيّة أيّامًا ، لم أجد مرفقًا ، ولا قبلت من صَنْجيل في غير هذه الطّريق ، ولا أتمكن من العودة لضعف الناس والعطش والجوع ، فعند الإياس خرجت في ثلاثة نفر ، معنا كلاب وبزاة ، أوهمت الناس أني أتصيد ، وسرت إلى البحر ، فنزلت في مركب ، وتركت العسكر ، وبَلَغَني أنّ التُّرْك دخلوه ، فلم يمنع أحدٌ عَنْ نفسه ، وهلكوا بالموت والقتْل ، وغنم التُّرْكمان ما لا يوصف ، ثم سار تبنين وحج القدس ، ورجع إلى بلاده في البحر .