الذهبي
171
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
مذهب مالك ، والغالب أنه عِمْرَانَ الفاسي بالقيروان . قلت : أبو عمران مات بعد الثلاثين وأربعمائة . قال : فآوى إليه وأصغى إِلَى العلم ، ثُمَّ حج وفي قلبه من ذلك فعاد . وأتى ذلك الفقيه ، وقال : يا فقيه ، ما عندنا فِي الصحراء من العلم شيء إلا الشهادتين فِي العامة ، والصلاة فِي بعض الخاصة . فقال الفقيه : فخُذ معك من يُعلمّهم دينهم . فقال له الجوهر : فابعث معي فقيهًا وعليَّ حِفْظُه وإكرامه . فقال لابن أَخِيهِ : يا عُمَر اذهب مع هَذَا السيد إِلَى الصحراء ، فعلم القبائل دين اللَّه ولك الثواب الجزيل والشكر الجميل ، فأجابه . ثُمَّ جاء من الغد ، فقال : اعفني من الصحراء ، فإن أهلها جاهلية ، قد ألفوا ما نشأوا عليه . وكان من طلبة الفقيه رَجُلٌ اسمه عَبْد اللَّه بْن ياسين الجزولي ، فقال : أيها الشَّيْخ ، أرسلني معه ، والله المعين . فأرسله معه ، وكان عالمًا قوي النفس ، ذا رأيٍ وتدبير ، فأتيا قبيلةَ لمتُونة ، وهي على ربوةٍ من الأرض ، فنزل الجوهر ، وأخذ بزمام الجمل الَّذِي عليه عَبْد اللَّه بْن ياسين تعظيماً له ، فأقبلت المشيخة يهنئون الجوهر بالسلامة وقالوا : من هَذَا ؟ قال : هَذَا حامل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . فرحبوا به وأنزلوه ، ثُمَّ اجتمعوا له ، وفيهم أَبُو بَكْر بْن عُمَر ، فقصَّ عليهم عَبْد اللَّه عقائد الْإِسْلَام وقواعده ، وأوضح لهم حَتَّى فهم ذلك أكثرهم ، فقالوا : أما الصلاة والزكاة فقريب ، وأما قولك من قتل يقتل ، ومن سرق يقطع ، ومن زنا يجلد ، فلا نلتزمه ، فاذهب إِلَى غيرنا . فرحل ، وأخذ بزمامه الجوهر ! وَفِي تلك الصحراء قبائل منهم وهم ينتسبون إِلَى حمير ، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن فِي الجيش الَّذِي جهزه الصديق إِلَى الشام ، ثُمَّ انتقلوا إِلَى مصر ، ثُمَّ توجهوا إِلَى المغرب مع مُوسَى بْن نصير ، ثُمَّ توجهوا مع طارق إِلَى طنجة ، فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء ، وهم لمتونة ، وجدالة ، ولمطة ، وإينيصر ، وإينواري ، ومسوفة ، وأفخاذ عدّة ، فانتهي الجوهر وعبد اللَّه إِلَى جدالة ، قبيلة الجوهر ، فتكلَّم عليهم عبدُ اللَّه ، فمنهم من أطاع ، ومنهم من عصى ، فقال عَبْد اللَّه للذين أطاعوا : قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين أنكروا دين الْإِسْلَام ، وقد استعدوا لقتالكم وتحزبوا عليكم ، فأقيموا لكم رايةً