الذهبي

172

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وأميرًا . فقال له الجوهر : أنت الأمير . قال : لا يمكنني هذا ، أنا حامل أمانة الشرع ، ولكن كن أنت الأمير . قال : لو فعلت هَذَا تسلطت قبيلتي على الناس وعاثوا ، فيكون وزر ذلك عليّ . قال له : فهذا أَبُو بَكْر بْن عُمَر رأس لمتونة ، وهو جليل القدر ، محمود السيرة ، مطاعٌ فِي قومه ، فسر إليه وأعرض عليه الإمرة ، والله المستعان . فبايعوا أَبَا بَكْر ، وعقدوا له رايةً ، وسماه عَبْد الله أمير المسلمين . وقام حوله طائفة من جدالة وطائفة من قومه . وحضهم ابن ياسين على الجهاد وسماهم " المرابطين " . فتألبت عليهم أحزاب الصحراء من أَهْل الشر والفساد ، وجيشوا لحربهم ، فلم يناجزوهم القتال ، بل تلطَّف عَبْد اللَّه بْن ياسين وأبو بَكْر واستمالوهم ، وبقي قوم أشرار ، فتحيّلوا عليهم حَتَّى جمعوا منهم ألفين تحت زرب عظيم وثيق ، وتركوهم فِيهِ أيامًا بغير طعام ، وحصروهم فِيهِ ، ثُمَّ أخرجوهم وقد ضعُفوا من الجوع وقتلوهم . فدانت لأبي بكر بن عمر أكثر القبائل وقويت شوكته . وكان عَبْد اللَّه يبث فيهم العلم والسنة ، ويقرئهم القرآن ، فنشأ حوله جماعة فقهاء وصلحاء . وكان يعظهم ويخوفهم ، ويذكر سيرة الصحابة وأخلاقهم ، وكثر الدين والخير فِي أَهْل الصحراء . وأما الجوهر فإنه أخلصهم عقيدة ، وأكثرهم صومًا وتهجُّدًا ، فَلَمَّا رَأَى أن أَبَا بَكْر استبد بالأمر ، وأن عَبْد اللَّه بْن ياسين ينفّذ الأمور بالسُّنّة ، بقي الجوهر لا حكم له ، فداخله الهوى والحسد ، وشرع سرًا فِي إفساد الأمر . فعُلم بِذَلِك منه ، وعقدوا له مجلساً وثبت ما قيل عَنْه ، فحكم فِيهِ بأنه يجب عليه القتل ، لأنه شق العصا ، فقال : وأنا أحب لقاء الله . فاغتسل وصلى ركعتين ، وتقدم فضربت عنقه . وكثرت طائفة المرابطين ، وتتبعوا من خالفهم فِي القبائل قتلًا ونهبًا وسبيا إلّا مَن أسلم ، وبلغت الأخبار إِلَى الفقيه بما فعل عَبْد اللَّه بْن ياسين فعظم ذلك عليه وندم ، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسَّبْي ، فأجابه : أما إنكارك عليَّ ما فعلت وندامتك على إرسالي ، فإنك أرسلتني إِلَى أمةٍ كانوا جاهلية يُخرِج أحدُهم ابنه وابنته لِرَعْي السوام ، فتأتي البنتُ حاملًا من أخيها ، فلا يُنكرون ذلك ، وما دَأْبهم إلا إغارة بعضهم على بعض ، ويقتل بعضهم بعضًا . ففعلتُ وفعلتُ وما تجاوزت حكم اللَّه ، والسلام .