الذهبي
146
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
تاج الملك شاذي نائباً لناصر الدولة ابن حمدان بالقاهرة يحمل إليه المال . فلما تقرر شاذي استبد بالأمور ، ولم يرسل إلى ابن حمدان شيئا ، فسار ابن حمدان إلى أن نزل بالجيزة . وطلب الأمراء إليه فخرجوا ، فقبض على أكثرهم ، ونهب ظواهر القاهرة ، وأحرق كثيرًا منها ، فجهز إليه المستنصر عسكرًا ، فبيتوه ، فانهزم . ثم إنه جمع جمعًا وعاد إليهم ، فعمل معهم مصافًا ، فهزمهم ، وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ودمياط ، وغلب على البلدين وعلى سائر الريف . وأرسل إلى العراق يطلب تقليدًا وخلعًا . واضمحل أمر المستنصر وخمل ذكره . وبعث إليه ابن حمدان يطلب الأموال ، فرآه الرسول جَالسًا على حصيرٍ ، وليس حوله سوى ثلاثة خدم . فلما أدى الرسالة ، قال : أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذه الحال ؟ فبكى الرسول وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره بما قال ، فرق له وأجرى له في كل يومٍ مائة دينار . وقدم القاهرة وحكم فيها ، وكان يظهر التسنن ويعيب المستنصر . وكاتب عسكر المغاربة فأعانوه . ثم قبض على أم المستنصر وصادرها ، فحملت خمسين ألف دينار . وكانت قد قل ما عندها إلى الغاية . وتفرق عن المستنصر أولاده وكثير من أهله من القحط ، وضربوا في البلاد . ومات كثير منهم جوعًا ، وجرت عليهم أمورٌ لا توصف في هذه السنوات بالديار المصرية من الفناء والغلاء والقتل . وانحط السعر في سنة خمس وستين . قال ابن الأثير : وبالغ ناصر الدولة ابن حمدان في إهانة المستنصر ، وفرق عنه عامة أصحابه ، وكان يقول لأحدهم : إنني أريد أن أوليك عمل كذا . فيسير إليه ، فلا يمكنه من العمل ، ويمنعه من العود . وكان غرضه من ذلك ليخطب للقائم بأمر الله أمير المؤمنين ، ولا يمكنه ذلك مع وجودهم ، ففطن له الأمير إِلْدِكْز ، وهو من أكبر أمراء وقته ، وعلم أنه متى تم له ما أراد ، تمكن منه ومن أصحابه . فأطلع على ذلك غيره من أمراء الترك ، فاتفقوا على قتل ابن حمدان ، وكان قد أمن لقوته وعدم عدوه . فتواعدوا ليلة ، وجاؤوا سحرًا إلى داره ، وهي المعروفة بمنازل العز بمصر ، فدخلوا صحن الدار من غير استئذان ، فخرج إليهم في غلالةٍ ، لأنه كان آمنًا منهم ، فضربوه بالسيوف ، فسبهم وهرب ،