الذهبي
725
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وَكَانَ يَجْلِسُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى ضِجَاعٍ وَنَمَارِقَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فِي سَائِرِ الْبَيْتِ لِمَنْ يَأْتِيهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ وَالنَّاسِ ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ وَقَارٍ وَحِلْمٍ وَعِلْمٍ ، وَكَانَ مَهِيبًا نَبِيلا مَا فِي مَجْلِسِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمِرَاءِ وَاللَّغَطِ ، وَلا رَفْعِ صَوْتٍ ، وَكَانَ الْغُرَبَاءُ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْحَدِيثِ فَلا يُجِيبُ إِلا فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ الْحَدِيثِ ، وَرُبَّمَا أَذِنَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ قَدْ نَسَخَ كُتُبَهُ يُقَالُ لَهُ : حبيب ، يقرأ للجماعة ، فليس أحد من يَحْضُرُهُ يَدْنُو ، وَلا يَنْظُرُ فِي كِتَابِهِ ، وَلا يَسْتَفْهِمُ هَيْبَةً لَهُ وَإِجْلالا ، وَكَانَ حَبِيبٌ إِذَا قَرَأَ فَأَخْطَأَ فَتَحَ عَلَيْهِ مَالِكٌ ، وَكَانَ ذَلِكَ قَلِيلا . قَالَ هِلالُ بْنُ الْعَلاءِ ، وَأَبُو حَاتِمٍ : أخبرنا أبو يوسف محمد بن أحمد ، قال : حدثنا عُتْبَةُ بْنُ حَمَّادٍ الدِّمَشْقِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ لِيَ الْمَنْصُورُ : مَا عَلَى ظَهْرِهَا أَعْلَمَ مِنْكَ ، قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : فَسَمِّهِمْ لِي ، قُلْتُ : لا أَحْفَظُ أَسْمَاءَهُمْ ، قَالَ : قَدْ طَلَبْتُ هَذَا الشَّأْنَ فِي زَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَدْ عَرَفْتُهُ ، فَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَأَهْلُ إِفْكٍ وَبَاطِلٍ ، وَأَمَّا أهل الشام فأهل جهاد ، وليس فيهم كثير عِلْمٍ ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ فَفِيهِمْ بَقِيَّةُ الْعِلْمِ فَأَنْتَ عَالِمُ الْحِجَازِ ، زَادَ أَبُو حَاتِمٍ : فَلا تَرُدَّنَّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : اكْتُبْ هَذَا الْعِلْمَ لِمُحَمَّدٍ . حَمَّادُ بْنُ غَسَّانَ واه ، قال : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : لَقَدْ حَدَّثْتُ بِأَحَادِيثَ وَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا سَوْطَيْنِ وَلَمْ أُحَدِّثْ بِهَا . قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : سَأَلَ الرَّشِيدُ مَالِكًا ، وَهُوَ فِي مَنْزِلِ مَالِكٍ ، وَمَعَهُ بَنُوهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : مَا قرأت على أحد منذ زمان ، وَإِنَّمَا يُقْرَأُ عَلَيَّ ، فَقَالَ : أَخْرِجِ النَّاسَ حَتَّى أَقْرَأُ أَنَا ، فَقَالَ : إِذَا مُنِعَ الْعَامُّ لِبَعْضِ الْخَاصِّ لَمْ يَنْتَفِعِ الْخَاصُّ ، وَأَمَرَ مَعْنًا ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : كَانَ مَالِكٌ لا يُفْتِي حَتَّى يَقُولُ : لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ . وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : لَمْ يَشْهَدْ مَالِكٌ الْجَمَاعَةَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يَمْنَعُكَ ؟ قَالَ : مَخَافَةَ أَنْ أَرَى مُنْكَرًا فَأَحْتَاجُ أَنْ أُغَيِّرَهُ ، رَوَاهَا إِسْمَاعِيلُ القاضي عنه . وقال الحسين بن الحسن بن مهاجر الْحَافِظُ : سَمِعْتُ أَبَا مُصْعَبٍ يَقُولُ : كَانَ مَالِكٌ بَعْدَ تَخَلُّفِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِهِ في جَمَاعَةً يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ .