الذهبي
680
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَمَلَّكَ الأَنْدَلُسَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ هَرَبَ وَانْفَلَتَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ عِنْدَ اسْتِيلائِهِمْ ، وَأَبْعَدَ إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْدَلُسِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدَّاخِلَ لَمَّا سَارَ هَارِبًا مِنْ مِصْرَ صَارَ إِلَى أَرْضِ بَرْقَةَ ، فَأَقَامَ بِهَا خَمْسَ سِنِينَ ، ثُمَّ رَحَلَ مِنْهَا يُرِيدُ الأَنْدَلُسَ ، فَدَخَلَ بَدْرٌ مَوْلاهُ يَتَجَسَّسُ عَنِ الأَخْبَارِ ، فَقَالَ لِلْمُضَرِيَّةِ : لَوْ وَجَدْتُمْ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْخِلافَةِ أَكُنْتُمْ تُبَايِعُونَهُ ؟ قَالُوا : وَكَيْفَ لَنَا بِذَاكَ ؟ فَقَالَ بَدْرٌ : هَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ . فَأَتَوْهُ فَبَايَعُوهُ ، فَوُلِّيَ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ سَنَةً ، ثُمَّ وُلِّيَ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ . قَالَ : وَدُخُولُهُ الأَنْدَلُسِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ . وَكَانَ يُوسُفُ الْفِهْرِيُّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الدَّعْوَةَ عَنْهُمْ ، وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُ يَدْعُونَ لِوَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْخِلافَةِ ، فَأَبْطَلَ يُوسُفُ ذَلِكَ وَدَعَا لِنَفْسِهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلُ إِلَى الأَنْدَلُسِ قَاتَلَ يُوسُفَ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلادِ . قُلْتُ : وَبَقِيَ مُلْكُ الأَنْدَلُسِ بِأَيْدِي أَوْلادِهِ إِلَى رَأْسِ الأَرْبَعِمِائَةِ ، وَبَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى يُوسُفَ الْفِهْرِيِّ عَدَّى إِلَى الْجَزِيرَةِ فَنَزَلَهَا ، فَاتَّبَعَهُ أَهْلُهَا ، فَمَضَى فِي عَسْكَرٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ ، فَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا ، ثُمَّ مَضَى إِلَى قُرْطُبَةَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا ، فَكَانَ كُلَّمَا قَصَدَ مَدِينَةً بَايَعُوهُ ، فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ الْعَسَاكِرَ قَدْ أَظَلَّتْهُ هَرَبَ إِلَى دَارِ الشِّرْكِ ، فَتَحَصَّنَ هُنَاكَ ، فَغَزَاهُ فِيمَا بَعْدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلُ ، فَوَقَعَتْ نَفْرَةٌ فِي عَسْكَرِهِ فَانْهَزَمَ ، وَرَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا ، وَجَعَلَ لِمَنْ يَأْتِيهِ بِرَأْسِ يُوسُفَ مَالا ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ خَاصَّةِ يُوسُفَ بِرَأْسِهِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ : وُلِدَ الأَمِيرُ أَبُو الْمُطَرِّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَدَخَلَ الأَنْدَلُسَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ ، فَقَامَتْ مَعَهُ الْيَمَانِيَّةُ ، وَحَارَبَ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيَّ مُتَوَلِّي الأَنْدَلُسِ ، فَهَزَمَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى قُرْطُبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ مِنَ الْعَامِ ، وَعَاشَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ . قَالَهُ لَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ . قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى سِيرَةٍ جَمِيلَةٍ مِنَ الْعَدْلِ ، وَمِنْ قُضَاتِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْحَضْرَمِيُّ الحمصي .