الذهبي
681
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
قال أبو المظفر الأَبِيوَرْدِيُّ : كَانُوا يَقُولُونَ : مَلَكَ الدُّنْيَا ابْنَا بَرْبَرِيَّتَيْنِ ؛ يَعْنُونَ الْمَنْصُورَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُعَاوِيَةَ . وَكَانَ الْمَنْصُورُ إِذَا ذُكِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ذَاكَ صَقْرُ قُرَيْشٍ ، دَخَلَ الْمَغْرِبَ وَقَدْ قُتِلَ قَوْمُهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ الْعَدْنَانِيَّةَ بِالْقَحْطَانِيَّةِ حَتَّى تَمَلَّكَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ : أَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي بِلادِهِ يَدْعُو بِالْخِلافَةِ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ أَعْوَامًا ، ثُمَّ تَرَكَ الْخُطْبَةَ . وَقِيلَ : لَمَّا تَوَطَّدَ مُلْكُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَارَتْ إِلَيْهِ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ، فَأَكْرَمَ مَوْرِدَهُمْ وَادَّبَّرَ أَرْزَاقَهُمْ ، وَلَمْ يَهْجُهُ بَنُو الْعَبَّاسِ ، وَلا هُوَ تَعَرَّضَ لَهُمْ ، بَلْ قَنَعَ بِإِقْلِيمِ الأَنْدَلُسِ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ اللُّغَوِيُّ الَّذِي تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ : كَانَ بِقُرْطُبَةَ جَنَّةٌ اتَّخَذَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَكَانَ فِيهَا نَخْلَةٌ أَدْرَكْتُهَا ، وَمِنْهَا تَوَلَّدَتْ كُلُّ نَخْلَةٍ بِالأَنْدَلُسِ . قَالَ : وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ : يَا نَخْلُ أَنْتِ غَرِيبَةٌ مِثْلِي . . . فِي الْغَرْبِ نَائِيَةٌ عَنِ الأهل فابكي ، وهل تبكي مكمشة . . . عجماء ، لم تطبع على خبل ؟ لَوْ أَنَّهَا تَبْكِي ، إِذًا لَبَكَتْ . . . مَاءَ الْفُرَاتِ وَمَنْبِتَ النَّخْلِ لَكِنَّهَا ذَهَلَتْ ، وَأَذْهَلَنِي . . . بُغْضِي بَنِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَهْلِي وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا : أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُيَمِّمُ أَرْضِي . . . أَقْرِ مِنْ بَعْضِي السَّلامَ لِبَعْضِي إِنَّ جِسْمِي كَمَا عَلِمْتَ بِأَرْضٍ . . . وَفُؤَادِي ومالكيه بأرض قدر البين بيننا فافترقنا . . . فطوى الْبَيْنُ عَنْ جُفُونِيَ غَمْضِي وَقَضَى اللَّهُ بِالْفِرَاقِ عَلَيْنَا . . . فَعَسَى بِاجْتِمَاعِنَا اللَّهُ يَقْضِي تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ، وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ هِشَامٌ .