الذهبي
141
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وقال ابن الأعرابي في " طبقات النساك " : كان الغالب عَلَى عَبْد الواحد العبادة والكلام فِي معاني الزهد ، فارق عمرو بْن عُبَيْد لاعتزاله ، وصحّح الاكتساب ، وقد نسب إِلَى القدر ، ولكن مَا كَانَ الغالب عَلَيْهِ الكلام فِيهِ . وتبعه خلق من النُّسّاك فنصب نفسه للكلام فِي مذاهبهم ، ونأى عَن المعتزلة ، وعن أصحاب الحديث ، قَالَ : وقد كَانَ مالك بْن دينار ، وثابت يقصّان أيضًا ، إلا أنهما كانا من أهل السُّنَّةِ . صحب عبدَ الواحد خلقٌ كحيان الجريري ، ورباح القيسي ، وأما مقسم وعطاء السلمي فغلب عليهما الخوف حَتَّى خيف عَلَى عقليهما ، واعتزلا الناس ، وكان عَبْد الواحد أشد افتتانا ، وأدخل فِي معاني الخصوص والمحبة ، وكان قد بقي عَلَيْهِ من رؤية الاكتساب شيء كَمَا بقي عَلَيْهِ من أصول القدر ، وذلك أن أهل القدر عندهم أَنَّهُ لا ينجو إلا بالعمل ، ومذهب السنة هُوَ الاجتهاد فِي العمل ، وأنه ليس هُوَ الَّذِي بِهِ ينجون دون رحمة الله ، قَالَ - عَلَيْهِ السلام - : " لن يُنجي أحدَكُم عملُه . . . " الحديث . قَالَ : وكان عَبْد الواحد قد ساح وسافر إلى الشام ، ورأى ثابتا فتناقص عَنْهُ بعض القدر ، وزعم أَنَّهُ لا يقول : إن الله يضل تنزيها ، وخفى عَلَيْهِ من قول القَدَرِية أنهم يدبّرون أنفسهم ويزكّونها بأعمالهم لما كَانَ يشاهد فِي معاملته لله ضرورة من موازين الأعمال وزيادة النفس والمواهب فِي القلوب ، فعلم أن ذَلِكَ من فضل الله لا بما يستحق العبد فَقَالَ باللطف ، وهو قول بين القولين ، وأهل البصرة يسمونهم التتمية يعني النصفية ، يقولون : ذهب عنهم نصف القدر ؛ لأنهم يقولون : لا نقول إن العبد يزكي نفسه بعمله ، وإنما ذَلِكَ تلطيف من الله ، فباينوا القدرية فِي هَذِهِ . وكان من قول أهل السُّنّة الخصوص ؛ أن الله يختص برحمته من يشاء ، وأن أولياء الله لم يزالوا عند الله في علمه كذلك قبل أن يخلقهم ، وكذلك أعداؤه . إِلَى أن قَالَ ابْن الأعرابي : ومن قول أهل السنة أَنَّهُ - تعالى - يخصُّ ويعمُّ ، ويهدي ويضلُّ ، ويلطف ويخذل ، وأن الناس يعملون فيما قد فرغ مِنْهُ ، فأهل