ابن قيم الجوزية
9
الوابل الصيب من الكلم الطيب
وما أحسن ما قال شيخ الاسلام في تعظيم الأمر والنهي : هو أن لا يعارضا بترخص جاف ، ولا يعرضا لتشديد غال ، ولا يحملا على علة توهن الانقياد . ومعنى كلامه أن أول مراتب تعظيم الحق عز وجل تعظيم أمره ونهيه ، وذلك المؤمن يعرف ربه عز وجل برسالته التي أرسل بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى كافة الناس ومقتضاها الانقياد لامره ونهيه ، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز وجل واتباعه ، وتعظيم نهيه واجتنابه ، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالاً على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي ، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالايمان والتصدق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر . فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق ، وطلب المنزلة والجاه عندهم ، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم ، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المناهي . فهذا ليس فعله وتركه صادراً عن تعظيم الأمر والنهي ولا تعظيم الآمر والناهي ، فعلامة التعظيم لللأوامر رعاية أوقاتها وحدودها والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها ، والحرص على تحينها في أوقاتها ، والمسارعة إليها عند وجوبها ، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها ، كمن يحزن على فوت الجماعة ويعلم أنه تقبلت منه صلاته منفرداً فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفاً . ولو أن رجلاً يعاني البيع والشراء تفوته صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقة قيمتها سبعة وعشرون ديناراً لأكل يديه ندماً وأسفاً ، فكيف وكل ضعف مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من ألف وألف ألف وما شاء الله تعالى . فإذا فوت العبد عليه هذا الربح قطعاً - وكثير من العلماء لا صلاة له - وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع لها ، فهذا عدم تعظيم أمر الله تعالى في قلبه ، وكذلك إذا فاته أول وقت الذي هو رضوان الله تعالى ، أو فاته الصف الأول الذي يصلي الله وملائكته على ميامنه ، ولو يعلم العبد فضيلته لجالد عليه ولكانت قرعة . وكذلك فوت الجمع الكثير الذي تضاعف الصلاة بكثرته وقلته . كلما كثر الجمع كان أحب إلى الله عز وجل ، وكلما بعدت الخطا كانت خطوة تحط خطيئة ، وأخرى ترفع درجة . وكذلك فوت الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها بين يدي الرب تبارك وتعالى الذي هو روحها ولبها ، فصلاة بلا خشوع ولا حضور كبدن ميت لا روح فيه ، أفلا يستحي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبداً ميتاً أو جارية ميتة ؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو من أمير أو غيره ؟ فهكذا سواء الصلاة الخيالية عن الخشوع والحضور وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد - أو الأمة - الميت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في