ابن قيم الجوزية
10
الوابل الصيب من الكلم الطيب
أحكام الدنيا ، ولا يثبه عليها ، فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها كما في السنن ومسند الإمام أحمد وغيره عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه قال « إن العبد ليصلي الصلاة وما كتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها إلا خمسها حتى بلغ عشرها » . وينبغي أن يعلم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى ، فتفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها . وهذا العمل الكامل هو الذي يكفر السيئات تكفيراً كاملاً ، والناقص بحسبه . وبهاتين القاعدتين تزول إشكالات كثيرة وهما . تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان ، وتكفير العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه . وبهذا يزول الاشكال الذي يورده من نقص حظه من هذا الباب على الحديث الذي فيه « أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين ، ويوم عاشوراء يكفر سنة » قالوا : فإذا كان دأبه دائماً انه يصوم يوم عرفة فصامه وصام يوم عاشوراء ، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة ، وأجاب بعضهم عن هذا بأن ما فضل عن التكفير ينال به الدرجات . ويالله العجب ، فليت العبد إذا أتى بهذه المكفرات كلها أن تكفر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض ، والتكفير بهذه مشروط بشروط ، موقوف على انتفاء الموانع كلها فحينئذ يقع التكفير ، وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره ، وفقد الإخلاص الذي هو روحه ، ولم يوف حقه ، ولم يقدره حق قدره ، فأي شيء يكفر هذا ؟ فإن وثق العبد من عمله بأنه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهراً وباطناً ، ولم يعرض له مانع يمنع تفكيره ولا مبطل يحبطه - من عجب أو رؤية نفسه فيه أو يمن به أو يطلب من العباد تعظيمه به أويستشرف بقلبه لمن يعظمه عليه أو يعادي من لا يعظمه عليه ويرى أنه قد بخسه حقه وأنه قد استهان بحرمته - فهذا أي شيء يكفر ؟