ابن قيم الجوزية

78

الوابل الصيب من الكلم الطيب

بن سلمة يستحب إذا لقي عدواً أو ناهض حصناً قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وإنه ناهض يوماً حصناً للروم فانهزم ، فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن . ( الثانية والستون ) أن عمال الآخرة كلهم في مضمار السباق ، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار ، ولكن القترة والغبار يمنع من رؤية سبقهم ، فإذا انجلى الغبار وانكشف رآهم الناس وقد حازوا قصب السبق . قال الوليد بن مسلم قال محمد بن عجلان : سمعت عمرو مولى غفرة يقول : إذا انكشف الغطاء [ للناس ] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يروا عملاً أفضل ثواباً من الذكر ، فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون : ما كان شيء أيسر علينا من الذكر . وقال أبو هريرة : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سيروا ، سبق المفردون قال : الذين أهتروا في ذكر الله تعالى يضع عنهم أوزارهم أهتروا بالشيء وفيه أولعوا به ولزموه وجعلوه دأبهم . وفي بعض ألفاظ الحديث المستهترون بذكر الله ومعناه الذين أولعوا به ، يقال : استهتر فلان بكذا إذا ولع به . وفيه تفسير آخر أن أهتروا في ذكر الله أي كبروا وهلك أقرانهم وهم في ذكر الله تعالى ، يقال أهتر الرجل فهو مهتر إذا سقط في كلامه من الكبر ، والهتر السقط من الكلام ، كأنه بقي في ذكر الله تعالى حتى خرف وأنكر عقله ، والهتر الباطل أيضاً ، ورجل مستهتر إذا كان كثير الأباطيل ، وفي حديث ابن عمر : أعوذ بالله أن أكون من المستهترين ، وحقيقة اللفظ أن الاستهتار الإكثار من الشيء والولوع به حقاً كان أو باطلاً ، وغلب استعماله على المبطل حتى إذا قيل فلان مستهتر لا يفهم منه إلا الباطل ، وإنما إذا قيد بشيء تقيد به نحو مستهتر وقد أهتر في ذكر الله تعالى أي أولع به وأغري به ، ويقال : استهتر فيه وبه . وتفسير هذا في الأثر الآخر : « أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون » . ( الثالثة والستون ) أن الذكر سبب لتصديق الرب عز وجل عبده ، فإنه أخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله ، فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه ، ومن صدقه الله تعالى لم يحشر مع الكاذبين ، ورجي له أن يحشر مع الصادقين . وروى أبو إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : « إذا قال العبد : لا إله إلا الله والله أكبر ، قال : يقول الله تبارك وتعالى : صدق عبدي ، لا إله إلا أنا وأكبر . وإذا قال : لا إله إلا الله وحده ، قال : صدق عبدي ، لا إله إلا أنا وحدي ،