ابن قيم الجوزية
60
الوابل الصيب من الكلم الطيب
( والطبقة الثالثة ) الأشقياء لا رواية ولا دراية ولا رعاية { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً } ، فهم الذين يضيقون الديار ، ويغلون الأسعار ، إن همة أحدهم إلا بطنه وفرجه ، فإن ترقت همته كان همه - مع ذلك - لباسه وزينته ، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في الرياسة والانتصار للنفس الغضبية ، فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس [ الغضبية كان همه في نصرة النفس ] الكلبية فلم يعطها ، إلى نصرة النفس السبعية فلم يعطها أحد من هؤلاء فإن النفوس كلبية وسبعية وملكية . فالكلبية تقنع بالعظم والكسرة والجيفة والقذرة ، والسبعية لا تقنع بذلك بل بقهر النفوس ، تريد الاستيلاء عليها بالحق والباطل . وأما الملكية فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت إلى الرفيق الأعلى ، فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله تعالى والإنابة إليه وإيثار محبته ومرضاته ، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذ من لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها ، لا لتنقطع به عنه . ثم ضرب سبحانه وتعالى مثلاً ثانياً وهو المثل الناري فقال : { ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله } وهذا كالحديد والنحاس والفضة والذهب وغيرها ، فإنها تدخل الكير لتمحص وتخلص من الخبث ، فيخرج خبثها فيرمى به ويطرح ، ويبقى خالصها فهو الذي ينفع الناس . ولما ضرب الله سبحانه وتعالى هذين المثلين ذكر حكم من استجاب له ورفع بهداه رأساً ، وحكم من لم يستجب له ولم يرفع بهداه رأساً ، فقال : { للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد } والمقصود أن الله تعالى جعل الحياة حيث النور ، والموت حيث الظلمة ، فحياة الوجودين الروحي والجسمي بالنور ، وهو مادة الحياة كما أنه مادة الإضاءة ، فلا حياة بدونه كما لا إضاءة بدونه ، وكما به حياة القلب فيه انفساحه وانشراحه وسعته ، كما في الترمذي « عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا : وما علامة ذلك ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله » . ونور العبد هو الذي يصعد عمله وكلمه إلى الله تعالى ، فإن الله تعالى لا يصعد إليه من الكلم إلا الطيب ، وهو نور ومصدر عن النور . ولا من