ابن قيم الجوزية
61
الوابل الصيب من الكلم الطيب
العمل إلا الصالح ، ولا من الأرواح إلا الطيبة وهي أرواح المؤمنين التي استنارت بالنور الذي أنزله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والملائكة الذين خلقوا من نور ، كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها « وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال خلقت الملائكة من نور ، وخلقت الشياطين من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » فلما كانت مادة الملائكة من نور كانوا هم الذين يعرجون إلى ربهم تبارك وتعالى وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تعرج إلى ربها وقت قبض الملائكة لها ، فيفتح لها باب السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء السابعة ، فتوقف بين يدي الله عز وجل ، ثم يأمر أن يكتب كتابه في أهل عليين ، فلما كانت هذه الروح روحاً زاكية طيبة نيرة مشرقة صعدت إلى الله عز وجل مع الملائكة . وأما الروح المظلمة الخبيثة الكدرة فإنها لا تفتح لها أبواب السماء ولا تصعد إلى الله تعالى ، بل ترد من السماء الدنيا إلى عالمها ومحتدها ، لأنها أرضية سفلية ، والأولى علوية سمائية ، فرجعت كل روح إلى عنصرها وما هي منه ، وهذا منه مبين في حديث البراء بن عازب الطويل الذي رواه الإمام أحمد وأبو عوانة الأسفرائيني في صحيحه والحاكم وغيرهم ، وهو حديث صحيح . والمقصود أن الله عز وجل لا يصعد إليه من الأعمال والأقوال والأرواح إلا ما كان منها نوراً أقربهم إليه وأكرمهم عليه . وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « أن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ، وألقى عليهم من نوره ، فمن أصاب من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل . فلذلك أقوال : جف القلم على علم الله تعالى » وهذا الحديث العظيم أصل من أصول الإيمان ، وينفتح به باب عظيم من أبواب سر القدر وحكمته ، والله تعالى الموفق . وهذا النور الذي ألقاه عليهم سبحانه وتعالى هو الذي أحياهم وهداهم ، فأصابت الفطرة منه حظها . ولكن لما لم يستقل بتمامه وكماله أكمله لهم وأتمه بالروح الذي ألقاه على رسله عليهم الصلاة والسلام والنور الذي أوحاه إليهم ، فأدركته الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور ، فانضاف نور الوحي والنبوة إلى نور الفطرة ، نور على نور ، فأشرقت منه القلوب ، واستنارت به الوجوه ، وحييت به الأرواح ، وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعاً واختياراً ، فازدادت به القلوب الصفات العليا الذي يضمحل فيه كل نور سواء ، فشاهدته