ابن قيم الجوزية
57
الوابل الصيب من الكلم الطيب
آية ، لعموم الابتلاء بهم وشدة المصيبة بمخالطتهم ، فإنهم من الجلدة ، مظهرون الموافقة والمناصرة ، بخلاف الكافر الذي قد تأبد بالعداوة وأظهر السريرة ودعا لك بما أظهره إلى مزايلته ومفارقته . ونظير هذين المثلين المذكورين في سورة الرعد في قوله تعالى : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً } فهذا هو المثل المائي شبه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء ، وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل ، فقلب كبير يسع علماً عظيماً كواد كبير يسع ماء كثيراً ، وقلب صغير كواد صغير يسع علماً قليلاً ، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها ، كما سالت الأودية بقدرها . ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل فيحتمله السيل فيطفوا على وجه الماء زبداً عالياً ، يمر عليه متراكباً ، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض ، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب ، والغثاء يذهب جفاء يجفي ويطرح على شفير الوادي . فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة يطفو في أعلاها ، واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئاً فشيئاً حتى يزول كله ، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون . وفي الصحيح من الحديث أبي موسى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال « مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم . ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به »