ابن قيم الجوزية

58

الوابل الصيب من الكلم الطيب

فجعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس بالنسبة إلى الهدي والعلم ثلاث طبقات . ( الطبقة الأولى ) ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وهم الذين قاموا بالدين علماً وعملاً ودعوة إلى الله عز وجل ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهؤلاء أتباع الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - حقاً ، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، فزكت في نفسها وزكا الناس بها . وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال تعالى فيهم { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } ، [ أي ] البصائر في دين الله عز وجل ، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف ، وبالقوى يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه ، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل ، ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهماً خاصاً ، كما قال أمير المؤمنين على أبن أبي طالب - وقد سئل : هل خصكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء دون الناس ؟ فقال : - لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه . فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض ، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن . ( الطبقة الثانية ) فإنها حفظت النصوص وكان همها حفظها وضبطها ، فوردها الناس وتلقوها منهم ، فاستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات ووردها كل بحسبه { قد علم كل أناس مشربهم } وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها كما سمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمع من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبلغ نحو العشرين حديثاً الذي يقول فيه سمعت ، ورأيت وسمع الكثير من الصحابة وبورك في فهمه والاستباط منه حتى ملأ الدنيا علماً وفقهاً .