ابن قيم الجوزية
54
الوابل الصيب من الكلم الطيب
يعيش فيها حيوان ولا يتكون البتة ، فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والإيمان ميتة وقلب فقد منه هذا النور ميت ولا بد ، لا حياة له البتة ، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه . والله سبحانه وتعالى يقرن بين الحياة والنور كما في قوله عز وجل { أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } وكذلك قوله عز وجل { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا } وقد قيل إن الضمير في ( جعلناه ) عائد إلى الأمر ، وقيل إلى الكتاب ، وقيل إلى الإيمان ، والصواب أنه عائد إلى الروح أي جعلنا ذلك الروح الذي أوحيناه إليك نوراً ، فسماه روحاً لما يحصل به من الحياة ، وجعله نوراً لما يحصل به الاشراق والإضاءة ، وهما متلازمان فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الإضاءة والاستنارة ، وحيث وجدت الاستنارة والإضاءة وجدت الحياة ، فمن لم يقبل هذا الروح فهو ميت مظلم كما أن المائي ، والناري . لما يحصل بالماء من الحياة وبالنار من الاشراق والنور ، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة في قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } وقال : { ذهب الله بنورهم } ولم يقل بنارهم لأن النار فيها الاحراق . وكذلك حال المنافقين : ذهب نور إيمانهم بالنفاق ، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم ، قلوبهم قد صليت بحرها وأذاها وسمومها ووهجها في الدنيا فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة ناراً موقدة تطلع على الأفئدة . فهذا مثل من لم يصحبه نور الإيمان في الدنيا بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به . وهو حال المنافق عرف ثم أنكر ، وأقر ثم جحد ، فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات }