ابن قيم الجوزية

55

الوابل الصيب من الكلم الطيب

وقال تعالى : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } وشبه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله ، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم وصيامهم معهم وسماعهم القرآن ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره قد شاهدوا الضوء ورأوا النور عياناً ، ولهذا قال تعالى في حقهم { فهم لا يرجعون } إليه ، لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا فهم لا يرجعون إليه . وقال تعالى في حق الكفار { فهم لا يعقلون } لأنهم لا يعقلوا الإسلام ولا دخلوا فيه ولا استناروا به ولا يزالون في ظلمات الكفر ، صم بكم عمي ، سبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافياً ، وإلى الإيمان وحقائقه منادياً ، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعياً ، وإلى الطريق الرشاد هادياً . لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذاناً واعية ، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوباً خالية ، ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها ، وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها ، وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام ، وسكرت بشهوات الغي وشهادة الباطل فلم تصغ بعده إلى الملام ، ووعظت بمواعظ أنكى فيها الأسنة والسهام ، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة وأسر الهوى والشهوة ، وما لجرح بميت إيلام . والمثل الثاني قوله تعالى : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين } الصيب المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة وهو مثل القرآن الذي به حياة القلوب كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان ، فأدرك المؤمنين ذلك منه ، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا تخطر لها ، فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلات التي حذر الله بها من خالف أمره ، وأخبر أنه منزلها بمن كذب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أو ما فيه من الأوامر الشديدة كجهاد الأعداء والصبر على الأمر أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إرادتها فهي كالظلمات والرعد والبرق ، ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق ، بل يستأنس لذلك ويفرح به لما يرجو من الحياة والخصب . وأما المنافق فإنه عمي قلبه لم يجاوز بصره الظلمة ولم ير إلا