محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أَنَّهُمْ سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ " ، وهذا فصيح صحيح ، إذا أدخلت " أنهم " في الكلام ، لأن " يحسبن " عاملة في " أنهم " ، وإذا لم يكن في الكلام " أنهم " كانت خالية من اسم تعمل فيه . وللذي قرأ من ذلك من القراءة وجهان في كلام العرب ، وإن كانا بعيدين من فصيح كلامهم : أحدهما : أن يكون أريد به : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، أو : أنهم سبقوا = ثم حذف " أن " و " أنهم " ، كما قال جل ثناؤه : ( وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ) ، [ الروم : 24 ] . بمعنى : أن يريكم ، وقد ينشد في نحو ذلك بيت لذي الرمة : أَظُنّ ابْنُ طُرْثُوثٍ عُتَيْبَةُ ذَاهِبًا بِعَادِيَّتِي تَكْذَابُهُ وَجَعَائِلُهْ ( 1 )

--> ( 1 ) ديوانه 473 ، من قصيدة ذكر فيها " المهاجر بن عبد الله الكلابي " والي اليمامة ، وكان للمهاجر عريف من السعاة بالبادية يقال له : " رومي " ، فاختلف ذو الرمة ، وعتيبة بن طرثوث في بئر عادية ، فخاصم ذو الرمة إلى رومي ، فقضى رومي لابن طرثوث قبل فصل الخصومة ، وكتب له بذلك سجلا ، فقال ذو الرمة من قصيدته تلك ، برواية ديوانه : أقُولُ لِنَفْسِي ، لا أُعَاتِبُ غَيْرَهَا . . . وَذُو اللُّبِّ مَهْمَا كَانَ ، لِلنَّفْسِ قائِلُهْ لَعَلَّ ابْنَ طُرْثُوثٍ عَتَيْبَةُ ذَاهِبٌ . . . بِعَادِيَّتِي تَكْذَابُهُ وَجَعَائِلُهْ بِقَاعٍ ، مَنَعْنَاهُ ثَمَانينَ حِجَّةً . . . وَبِضْعًا ، لَنَا أَحْرَاجُه وَمَسَايِلُهْ ثم ذكر المهاجر بالذكر الجميل ، ثم قال : يَعِزُّ ، ابْنَ عَبْدِ اللهِ ، مَنْ أَنْتَ نَاصِرٌ . . . وَلا يَنْصُرُ الرَّحْمَنُ مَنْ أنْتَ خَاذِلُهْ إذَا خَافَ قَلْبِي جَوْرَ سَاعٍ وَظُلْمَهُ . . . ذَكَرْتُكَ أُخْرَى فَاطْمَأَنَّتْ بَلابِلُهْ تَرَى اللهَ لا تَخْفَى عَلَيْهِ سَرِيرَةٌ . . . لِعَبْدٍ ، ولا أَسْبَابُ أَمْرٍ يُحَاوِلهْ لَقَدْ خَطَّ رُومِيٌّ ، وَلا زَعَمَاتِهِ ، . . . لِعُتْبَةَ خَطًّا لَمْ تُطَبَّقْ مَفَاصِلُهْ بِغَيْرِ كتابٍ وَاضِحٍ مِنْ مُهَاجِرٍ . . . وَلا مُقْعَدٍ مِنِّي بخَصْمٍ أُجَادِلهْ هذه قصة حية . وكان في المطبوعة : " عيينة " ، والصواب من الديوان ، ومما يدل عليه الشعر السالف إذ سماه " عتبة " ، ثم صغره . و " العادية " ، البئر القديمة ، كأنها من زمن " عاد " . و " التكذاب " ، مصدر مثل " الكذب " . و " الجعائل " ، الرشي ، تجعل للعامل المرتشي .