محمد بن جرير الطبري
385
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وَكَرُّنا الخَيْلَ فِي آثَارِهِمْ رُجُعًا . . . كُسَّ السَّنَابِكِ مِنْ بَدْءٍ وَتَعْقِيبِ ( 1 ) يعني : في غزوٍ ثانٍ عقَّبُوا ، وكما قال طرفة : وَلَقَدْ كُنْت عَلَيْكُمْ عَاتِبًا . . . فَعَقَبْتُمْ بِذَنُوبٍ غَيْرِ مُرّ ( 2 ) يعني بقوله : " عقبتم " ، رجعتم . = وأتاها التأنيث عندنا ، وهي من صفة الحرس الذي يحرسون المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، لأنه عني بها " حرس مُعَقبّة " ، ثم جمعت " المعقبة " فقيل : " معقبات " فذلك جمع جمع " المعقِّب " ، و " المعقِّب " ، واحد " المعَقِّبة " ، كما قال لبيد : حَتَّى تَهَجَّرَ فِي الرّوَاحِ وَهَاجَهُ . . . طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ ( 3 ) و " المعقبات " ، جمعها ، ثم قال : " يحفظونه " ، فردّ الخبر إلى تذكير الحرَس والجند . * * * وأما قوله : ( يحفظونه من أمر الله ) فإن أهل العربية اختلفوا في معناه .
--> ( 1 ) ديوانه : 8 ، شرح المفضليات : 227 ، قصيدة مشهورة ، وروايتها . وَكَرُّنَا خَيْلَنَا أدْرَاجَهَا رُجُعًا وهي أجود الروايتين ، وكان في المطبوعة : " في آثارها " . وقوله : " أدراجها " ، أي من حيث جاءت ذهبت . و " رجع " جمع " رجيع " ، وهو الدابة الذي هزله السفر . و " كس السنابك " ، جمع " أكس " ، وهو الحافر المتثلم الذي كسره طول السير ، أي تحاتت سنابكها من طول السير . و " البدء " الغزو الأول ، و " التعقيب " ، الرجوع من الغزو ، أو الغزو الثاني بعد الأول . ( 2 ) أشعار الستة الجاهليين : 334 ، و " الذنوب " ، الدلو العظيمة يكون فيها ماء . يقول : " كنت عليكم واجدًا غاضبًا ، فرجعتم بحلو المودة دون مرها ، فخلص قلبي لكم مرة أخرى . ( 3 ) ديوانه قصيدة رقم : 16 ، بيت 26 ، اللسان ( عقب ) ، وهو من أبيات في صفة حمار الوحش ، وشرح البيت يطول ، وخلاصته أن الحمار " تهجر من الرواح " ، أي : عجل في الرواح إلى الماء ، و " هاجه " ، أي : حركه حب الماء ، فعجل إليه عجلة طالب الحق يطلبه مرة بعد مرة ، وهو " المعقب " . ورفع " المظلوم " ، وهو نعت للمعقب على المعنى والمعقب خفض في اللفظ ، ومعناه أنه فاعل " طلب " .