محمد بن جرير الطبري

198

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

سِرًّا في نفسه ( ولم يبدها لهم ) = ( والله أعلم بما تصفون ) . * * * وقوله : ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون ) ، يعني بقوله : ( فأسرها ) ، فأضمرها . ( 1 ) * * * وقال : ( فأسرها ) فأنث ، لأنه عنى بها " الكلمة " ، وهي : " ( أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون . ولو كانت جاءت بالتذكير كان جائزًا ، كما قيل : ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ) [ سورة هود : 49 ] ، و ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى ) ، [ سورة هود : 100 ] * * * وكنى عن " الكلمة " . ولم يجر لها ذكر متقدِّم . والعرب تفعل ذلك كثيرًا ، إذا كان مفهومًا المعنى المرادُ عند سامعي الكلام . وذلك نظير قول حاتم الطائي : أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى . . . إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بهَا الصَّدْرُ ( 2 )

--> ( 1 ) انظر تفسير " الإسرار " فيما سلف ص : 7 ، تعليق ، والمراجع هناك . ( 2 ) ديوانه : 39 ، وغيره ، من قصيدته المشهورة ، يقول بعده ، وهو من رائع الشعر : إذَا أنَا دَلاَّني الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ . . . بِمَلْحُودةٍ زَلْخٍ ، جَوَانِبُهَا غُبْرُ وَرَاحُوا عِجَالاً ينفُضُونَ أكُفَّهُمْ . . . يَقُولُونَ : قَدْ دَمَّى أَنَامِلَنَا الحفْرُ ! . " ملحودة " ، يعني قبرًا قد لحد له . و " زلخ " ، ملساء ، يزل نازلها فيتردى فيها .