محمد بن جرير الطبري

375

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بينهما ذلك المولود . وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، فلما قال لهم صالح : " إنما يعقرها مولود فيكم " ، اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية ، وجعلوا معهن شُرَطًا كانوا يطوفون في القرية ، فإذا وجدُوا المرأة تمخَضُ ، نظروا ما ولدُها إن كان غلامًا قلَّبنه فنظرن ما هو ( 1 ) وإن كانت جارية أعرضن عنها . فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة وقلن : " هذا الذي يريد رسول الله صالح " ، فأراد الشرط أن يأخذوه ، فحال جدّاه بينهم وبينه ، وقالا لو أن صالحًا أراد هذا قتلناه ! فكان شرَّ مولود ، وكان يشبُّ في اليوم شباب غيره في الجمعة ، ويشبّ في الجمعة شباب غيره في الشهر ، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة . فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، وفيهم الشيخان ، فقالوا : " استعمل علينا هذا الغلام " ( 2 ) لمنزلته وشرَف جديه ، فكانوا تسعة . وكان صالح لا ينام معهم في القرية ، كان في مسجد يقال له : " مسجد صالح " ، فيه يبيت بالليل ، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم ، وإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه " . = قال حجاج : وقال ابن جريج : لما قال لهم صالح : " إنه سيولد غلام يكون هلاككم على يديه " ، قالوا : فكيف تأمرنا ؟ قال : آمركم بقتلهم ! فقتلوهم إلا واحدًا . قال : فلما بلغ ذلك المولود ، قالوا : لو كنا لم نقتل أولادَنا ، لكان لكل رجل منا مثل هذا ، هذا عملُ صالح ! فأتمروا بينهم بقتله ، وقالوا : نخرج مسافرين والناس يروننا علانيةً ، ثم نرجع من ليلة كذا من شهر كذا وكذا ، فنرصده عند مصلاه فنقتله ، فلا يحسب الناس إلا أنَّا مسافرون ، كما نحن ! فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصُدُونه ، فأرسل الله عليهم الصخرة فرضَخَتهم ، فأصبحوا رَضْخًا . فانطلق رجال ممَّن قد اطلع على ذلك منهم ، فإذا هم رضْخٌ ، فرجعوا

--> ( 1 ) في التاريخ : " فإن كان ولدا قتلنه " ، ليس فيه هذا الذي في روايته في التفسير ، وهي أحسن الروايتين إن شاء الله . ( 2 ) في المطبوعة : " تستعمل " ، وأثبت ما في المطبوعة والتاريخ .