محمد بن جرير الطبري

313

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

18137 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق عمن لا يتَّهم عن عبيد بن عمير الليثي : أنه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به = يعني قوم نوح = فيخنقونه حتى يغشى عليه ، فإذا أفاق قال : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، حتى إذا تمادوا في المعصية ، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة ، وتطاول عليه وعليهم الشأن ، واشتد عليه منهم البلاء ، وانتظر النَّجْل بعد النَّجْل ، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله ، حتى إن كان الآخر منهم ليقول : " قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونًا " ! لا يقبلون منه شيئًا . حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى ، كما قص الله علينا في كتابه : ( رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا ) ، إلى آخر القصة ، حتى قال : ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا ) ، إلى آخر القصة [ سورة نوح : 5 - 27 ] . فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم ، أوحى الله إليه ( أن اصطنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) ، أي : بعد اليوم ، ( إنهم مغرقون ) . فأقبل نوح على عمل الفلك ، ولَهِيَ عن قومه ، وجعل يقطع الخشب ، ويضرب الحديد ، ويهيئ عدة الفلك من القَار وغيره مما لا يصلحه إلا هو ، وجعل قومه يمرُّون به وهو في ذلك من عمله ، فيسخرون منه ويستهزئون به ، فيقول : ( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمونَ من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ