محمد بن جرير الطبري
314
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عليه عذاب مقيم ) ، قال : ويقولون فيما بلغني : يا نوح قد صرت نجَّارًا بعد النبوّة ! قال : وأعقم الله أرحام النساء ، فلا يولد لهم ولد . قال : ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب السّاج ، وأن يصنعه أزْوَر ، ( 1 ) وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه ، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا ، وأن يجعله ثلاثة أطباق : سفلا ووسطًا وعلوًا ، وأن يجعل فيه كُوًى . ففعل نوح كما أمره الله ، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه ( إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ) وقد جعل التَّنُّور آية فيما بينه وبينه ، فقال : ( إذا جاء أمرنا وفار التَّنُّور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ) ، واركب . فلما فار التنور ، حمل نوح في الفلك من أمره الله ، وكانوا قليلا كما قال الله ، وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ، ذكر وأنثى ، فحمل فيه بنيه الثلاثة : سام وحام ويافث ونساءهم ، وستة أناس ممن كان آمن به ، فكانوا عشرة نفر : نوح وبنوه وأزواجهم ، ثم أدخل ما أمره به من الدوابّ ، وتخلف عنه ابنه يَام ، وكان كافرًا . ( 2 ) 18138 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن بن دينار ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : سمعته يقول : كان أوّل ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الذرّة ، وآخر ما حمل الحمار ، فلما أدخل الحمار وأدخَل صدره ، تعلق إبليس بذنبه ، ( 3 ) فلم تستقلّ رجلاه ، فجعل نوح يقول : ويحك ادخل ! فينهض فلا يستطيع . حتى قال نوح : ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك ! قال : كلمة زلَّت عن لسانه ، فلما قالها نوح خلَّي الشيطان سبيله ، فدخل ودخل الشيطانُ معه ، فقال
--> ( 1 ) " أزور " ، من " الزور " ، ( بفتح فسكون ) وهو الصدر ، و " الزور " ( بفتحتين ) ، وهو عوج الزور ، وهو أن يستدق جوشن الصدر ، ويخرج الكلكل ، كأنه عصر من جانبيه . ( 2 ) الأثر : 18137 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 92 ، 93 . ( 3 ) في المطبوعة : " فلما دخل الحمار وأدخل رأسه مسك إبليس " ، وفي المخطوطة : " فلما أدخل الحمار ، وأدخل صدره إبليس بذنبه " ، الأولى " أدخل " ، وبين الكلامين بياض ، وأثبت الصواب من تاريخ الطبري .