محمد بن جرير الطبري
277
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفت ، اكتفاءً بدلالة الكلام على معناه . * * * وأما قوله : ( إمامًا ) فإنه نصب على القطع من " كتاب موسى " ، ( 1 ) وقوله ( ورحمة ) ، عطف على " الإمام " . كأنه قيل : ومن قبله كتاب موسى إمامًا لبني إسرائيل يأتمُّون به ، ورحمةً من الله تلاه على موسى ، كما : - 18072 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن منصور ، عن إبراهيم ، في قوله : ( ومن قبله كتاب موسى ) ، قال : من قبله جاء بالكتاب إلى موسى . * * * وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ذكر عليه منه ، وهو : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمةً ) ، = " كمن هو في الضلالة متردد لا يهتدي لرشد ، ولا يعرف حقًّا من باطل ، ولا يطلب بعمله إلا الحياة الدنيا وزينتها " . وذلك نظير قوله : ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) [ سورة الزمر : 9 ] ( 2 ) والدليل على حقيقة ما قلنا في ذلك أن ذلك عقيب قوله : ( من كان يريد الحياة الدنيا ) ، الآية ، ثم قيل : أهذا خير ، أمن كان على بينة من ربه ؟ والعرب تفعل ذلك كثيرًا إذا كان فيما ذكرت دلالة على مرادها على ما حذفت ، وذلك كقول الشاعر : ( 3 ) وَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُه . . . سِواكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا ( 4 ) * * *
--> ( 1 ) " القطع " ، الحال ، كما سلف ص : 76 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك . ( 2 ) انظر تفسير الآية في معاني القرآن للفراء . ( 3 ) هو امرؤ القيس . ( 4 ) ديوانه : 113 ، والخزانة 4 : 227 ، وغيرهما كثير ، وسيأتي في التفسير 13 : 102 / 23 : 128 / 29 : 67 ( بولاق ) ، وهذا البيت قد كثر الاستدلال به على الحذف ، إلا أن البغدادي أفاد فائدة جيدة فقال : " وعذرهم في تقدير الجواب أن هذا البيت ساقط في أكثر الروايات ، وقد ذكره الزجاجي في أماليه الصغرى والكبرى في جملة أبيات ثمانية ، رواها المبرد من قصيدة لأمرئ القيس ، ورأينا أن نقتصر عليها ، وهي : بَعَثْتُ إلَيْها والنُّجوم خَوَاضِعٌ . . . حِذَارًا عَلَيْهَا أنْ تَقُومَ فَتَسْمَعَا فَجَاءتْ قَطُوفَ المَشْيِ هَائِبَةَ السُّرَى . . . يُدَافِعُ رُكْنَاهَا كَوَاعِبَ أرْبَعَا يُزَجِّيهَا مَشْىَ النَّزِيفِ وَقَدْ جَرَى . . . صُبَابُ الكَرَى فِي مُخِّهِ فَتَقَطَّعَا تَقُولُ وَقَدْ جَرَّدْتُهَا مِنْ ثِيَابِهَا . . . كَمَا رُعْتَ مَكْحُولَ المَدَامِع أَتْلَعَا أَجِدَّكَ لَوْ شَيْءٌ أَتَانا رَسُولُهُ . . . سِوَاكَ وَلكِنْ لم نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا إِذَنْ لَرَدَدْنَاهُ ، وَلَوْ طَالَ مَكْثُهُ . . . لَدَيْنَا ، وَلَكِنَّا بِحُبِّكَ وُلَّعَا فَبِتْنَا تَصُدُّ الوُحْشُ عَنَّا ، كَأَنَّنَا . . . قَتِيلاَنِ لم يَعْلَمْ النَّاسُ لَنَا مَصْرَعَا إِذَا أَخَذَتْهَا هِزَّةُ الرَّوْعِ ، أَمْسَكَتْ . . . بِمَنْكِبِ مِقْدَامٍ عَلَى الهَوْلِ أرْوَعَا هذا ما قاله البغدادي ، وفيه قول لا يتسع له هذا المكان ، ولكن فيه فائدة تقيد .