محمد بن جرير الطبري

25

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عظِّم شعائر الله ! ( 1 ) فما درى أمير المؤمنين ما يُفتيك حتى سأل صاحبه ! اعمد إلى ناقتك فانحرها ، ففعلَّ ذاك ! ( 2 ) قال قبيصة : ولا أذكر الآية من " سورة المائدة " : " يحكم به ذوا عدل منكم " قال : فبلغ عمر مقالتي ، فلم يفجأنا إلا ومعه الدِّرّة ! قال : فعلا صاحبي ضربًا بالدّرة ، ( 3 ) وجعل يقول : أقتلت في الحرم وسفَّهت الحُكم ! قال : ثم أقبل عليّ فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا أحِلَّ لك اليوم شيئًا يحرُم عليك مني ! ( 4 ) قال : يا قبيصة بن جابر ، إنّي أراك شابَّ السن ، فسيحَ الصدر ( 5 ) بيِّن اللسان ، وإن الشاب يكون فيه تسعةُ أخلاق حسنة وخلق سييء ، فيفسد الخلق السييء الأخلاقَ الحسنة ، فإياك وعثرات الشباب ! ( 6 )

--> ( 1 ) في المخطوطة : " أعظم شعائر الله " وما في المطبوعة هو الموافق لما في سنن البيهقي وهو أولاهما لمطابقته نص آية " سورة الحج " : " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " . ( 2 ) في المطبوعة : " ففعل ذاك " والصواب هو ما في المخطوطة وابن كثير يقول : فلعل ذلك أن يكون جزاء مثل ما قتلت من الصيد . وفي ابن كثير : " يعني أن يجزئ عنك " وهذا النص ليس في المخطوطة فلذلك لم أزده في هذا الموضع ، أخشى أن يكون من كلام ابن كثير . ( 3 ) روى البيهقي هذا الخبر بغير هذا اللفظ وقال عند هذا الموضع : " فما علمت بشيء والله ما شعرت إلا به يضرب بالدرة على = وقال مرة : على صاحبي " فهذه التي هنا هي إحدى الروايتين . ( 4 ) يعني أنه لما أقبل عليه عمر وعوف أنه ضاربه كما ضرب صاحبه رهب عمر واخافه بقوله : إنه لن يحله من ضرب بشرة هي عليه حرام إلا بحقها . فلذلك هاب عمر أن يضربه كما ضرب صاحبه . فانظر إلى ما طبع عليه أسلافنا من حرية الطباع وما وقذ الإسلام من عرامهم حتى كف عمر يده مخافة أن يصيب من أبشار المسلم حراما لا يحل له إلا بحقه . ( 5 ) قوله : " فسيح الصدر " أي : واسع الصدر وذلك من دلائل القوة ومتانة التركيب وهذه المقالة من عمر من أبلغ ما يهدى إلى الشباب فإن البلاء إنما يأتي من سوء الخلق ، وخلق سيئ واحد يجر وراءه جميع مساوي الأخلاق . ( 6 ) الأثر : 12588 - انظر تخريج خبر قبيصة بن جابر فيما سلف في التعليق على رقم : 12573 . وختم البيهقي هذا الأثر ( السنن 5 : 181 ) وهو من رواية ابن أبي عمر ، عن سفيان عن عبد الملك بن عمير : " قال ابن أبي عمر ، قال سفيان : وكان عبد الملك إذا حدث بهذا الحديث قال : ما تركت منه ألفا ولا واوا " .