محمد بن جرير الطبري
512
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
تخلّف عن وفد عاد حين دعا ، لقمانُ بن عاد ، وكان سيِّد عادٍ . حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال : " اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي ، فأعطني سؤلي " ! وقال قيل بن عنز حين دعا : " يا إلهنا ، إن كان هود صادقًا فاسقِنا ، فإنّا قد هلكنا " ! فأنشأ الله لهم سحائب ثلاثًا : بيضاء ، وَحمراء ، وسوداء . ثم ناداه منادٍ من السحاب : " يا قيل ، اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب " . فقال : " اخترت السحابة السوداء ، فإنها أكثر السحاب ماءً " ! فناداه منادٍ : " اخترت رَمَادًا ، رِمْدِدًا ، ( 1 ) لا تُبقي مِن آل عاد أحدًا ، ( 2 ) لا والدًا تترك ولا ولدًا ، إلا جعلته هَمِدًا ، ( 3 ) إلا بني اللُّوذِيّة المُهَدَّى " = و " بنو اللوذية " ، بنو لقيم بن هزّال بن هزيلة بن بكر ، ( 4 ) وكانوا سكانًا بمكة مع أخوالهم ، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم ، فهم عادٌ الآخِرة ، ومن كان من نسلهم الذين بقُوا من عاد . = وساق الله السحابة السوداء ، فيما يذكرون ، التي اختارها قَيْل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى خرجت عليهم من وادٍ يقال له : " المغيث " . فلما رأوها استبشروا بها ، وقالوا : ( هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) ، يقول الله : ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ) [ سورة الأحقاف : 24 - 25 ] ، أي : كلّ شيء أُمِرَتْ به . وكان أوّل من أبصر ما فيها وعرف أنها رِيح ، فيما يذكرون ، امرأة من عاد يقال لها " مَهْدَد " . ، فلما تيقنت ما فيها صاحت ، ( 5 ) ثم صَعِقت . فلما أن أفاقت قالوا : ماذا رأيت يا مهدد ؟ قالت : رأيتُ ريحًا فيها كشُهُب النار ، أمامها رجالٌ يقودُونها ! فسخَّرها الله عليهم سبع
--> ( 1 ) " رماد رمدد " ، متناه في الاحتراق والدقة . يقال : " رماد أرمد " و " رمدد " بكسر الراء وسكون الميم وكسر الدال و " رمدد " ( بكسر الراء ، وسكون الميم ، وفتح الدال ) . ( 2 ) في المطبوعة : " لا تبق " ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ . ( 3 ) " هامد ، وهمد ، وهميد " ، ميت هالك . " همد ، همودا " ، مات وهلك . ( 4 ) في التاريخ : " . . . هزال بن هزيل بن هزيلة بن بكر " ، وكأنه الصواب . ( 5 ) في التاريخ " فلما تبينت " ، وكأنها أرجح .