محمد بن جرير الطبري

489

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وكان بعض نحويي البصرة يقول : ذكَّر " قريب " وهو صفة ل - " الرحمة " ، وذلك كقول العرب : " ريح خريق " ، ( 1 ) و " ملحفَة جديد " ، ( 2 ) و " شاة سديس " . ( 3 ) قال : وإن شئت قلت : تفسير " الرحمة " هاهنا ، المطر ونحوه ، فلذلك ذكَّر ، كما قال : ( وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا ) ، [ سورة الأعراف : 87 ] ، فذكَّر ، لأنه أراد الناس . وإن شئت جعلته كبعض ما يذكرون من المؤنث ، كقول الشاعر : ( 4 ) وَلا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا ( 5 ) * * * وقد أنكر ذلك من قِيله بعضُ أهل العربية ، ورأى أنه يلزمه إن جاز أن يذكِّر " قريبًا " ، توجيهًا منه للرحمة إلى معنى المطر ، أن يقول : " هند قام " ، توجيهًا منه ل - " هند " وهي امرأة ، إلى معنى : " إنسان " ، ورأى أن ما شبَّه به قوله : " إن رحمة الله قريب من المحسنين " ، بقوله : " وإن كان طائفة منكم آمنوا " ، غير مُشْبِهِه . وذلك أن " الطائفة " فيما زعم مصدر ، بمعنى " الطيف " ، كما " الصيحة " و " الصياح " ، بمعنًى ، ولذلك قيل : ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) ، [ سورة هود : 67 ] . * * *

--> ( 1 ) " ريح خريق " : شديدة ، وقيل : لينة سهلة . ضد . ( 2 ) في المطبوعة : " وساحفة حديد " ، وفي المخطوطة : " وماحقه جديد " ، غير منقوطة والصواب ما أثبت ، وهو المثل الذي ضرب في هذا الباب . قال ابن سيده : " ملحفة جديد ، وجديدة " ، وقال سيبويه : وقد قالوا ملحفة جديدة ، وهو قليلة . ( 3 ) " شاة سديس " : أتت عليها السنة السادسة . ( 4 ) عامر بن جوين الطائي . ( 5 ) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 1 : 432 ، ونسيت أن أذكر هناك أنه سيأتي في هذا الموضع من التفسير ، ثم في 18 : 118 ( بولاق ) ، وصدر البيت : فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا